تقرير عن مؤتمر مؤسسة الفرقان “القرآن الكريم من التنزيل إلى التدوين”

تقرير عن مؤتمر مؤسسة الفرقان “القرآن الكريم من التنزيل إلى التدوين”

تقرير عن مؤتمر مؤسسة الفرقان «القرآن الكريم من التنزيل إلى التدوين»

(إسطنبول، 25-26 نوفمبر 2017)

أحمد وسام شاكر

نظَّم مركز دراسة المخطوطات الإسلامية بمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي مؤتمراً دولياً بعنوان (القرآن الكريم من التنزيل إلى التدوين) يومي 25 و26 نوفمبر 2017 بالعاصمة إسطنبول، بحضور حفنة من الباحثين في الدراسات القرآنية والكوديكولوجيا العربية. ويأتي هذا المؤتمر – في دورته الثامنة – على خلفية إعلان جامعة برمنجهام في 22 يوليو 2015 عن نتيجة الفحص الكربوني المشع لواحدة من مخطوطاتها القرآنية القديمة (تُعرف إعلامياً باسم «مصحف برمنجهام»)، حيث أرجعها الفحص إلى الفترة 568-645م بنسبة دقة 95.4%؛ أي إلى القرن الأول الهجري لا الثاني أو الثالث كما كان يُعتقد سابقاً. وقد أثار هذا الخبر موجة عارمة من ردود الأفعال المتباينة إلى وقت قريب، لاسيما وأن هناك من استخدم نتائج الفحص خطأ للقول بأن القرآن الكريم سابق للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فرأت مؤسسة الفرقان أن تعقد مؤتمراً يتناول موضوع المصاحف المخطوطة من حيث التعريف بها وبيان أهميتها، وضروره فهرستها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين، ومتابعة المشاريع الغربية المهتمة بنشرها كمشروع كوربوس كورانيكوم الألماني، وغيرها من القضايا المتقاطعة والدراسات القرآنية.

أهدف المؤتمر

يهدف المؤتمر كما جاء في الكتيب التعريفي إلى:

  1. التنويه إلى أهمية جمع المخطوطات القرآنية ودراستها، ووضع خطة لفهرستها وتصويرها وتوفيرها للعلماء والباحثين.
  2. التفكير في وضع خطة لتنسيق الجهود في نشاطات بحثية مشتركة حول موضوع المؤتمر، والتعاون فيما بين الباحثين والجامعات والجمعيات والمراكز البحثية، رغبة في الاتفاق على آلية للرد على الأوساط الأكاديمية الاستشراقية والعلمانية التي تعمل جاهدة للتشكيك في وحدة النص القرآني وصحته وصحة تواتره، والتفكير في تأليف مرجع علمي أكاديمي يترجم إلى لغات عدة.
  3. التفكير في الرد على مشروع «كوربس كورانيكم» Corpus Coranicum الذي يعمل على توثيق تأريخ النصوص القرآنية، وتفسير القرآن في سياق تطوره التاريخي.
  4. توحيد المواقف حول موضوع الفحص الكربوني المشع للمخطوطات القرآنية، وإيجاد مواقع على الشبكة العنكبوتية، ومنتديات خاصة بدراسة موضوع الاستشراق ومتابعته، وإعداد الدراسات والتقارير بشأنه، وحفظ الوثائق المتعلقة به، وإصدار النشرات الدورية التي تلاحق كل جديد في هذا المجال. والتفكير في تنظيم مؤتمر دوري يناقش موضوع الاستشراق من جميع جوانبه، تقدّم فيه الدراسات والبحوث والاقتراحات.

جلسات المؤتمر

بدأ المؤتمر بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، اتبعها عرض فيلم تسجيلي يبين جهود مؤسسة الفرقان ومراكزها المتعددة في خدمة التراث الإسلامي، إعداد المؤتمرات، وفهرسة المخطوطات، والإصدارات النقدية. ثم رحب الأستاذ صالح شهسواري المدير التنفيذي لمؤسسة الفرقان بالحضور والمحاضرين معلناً بدأ جلسات المؤتمر. وقدم المحاضرون (13) بحثاً في جوانب متعددة كالأحرف السبعة والقراءات، المصاحف العثمانية والمصاحف القديمة المخطوطة، الإستشراق والدراسات القرآنية، والدراسة الجمالية للمخطوط القرآني.

 

جانب من جلسات المؤتمر: د. أكمل الدين إحسان أوغلو يعرض ورقته

 اليوم الأول: السبت 25 نوفمبر 2017

الجلسة الأولى

مدير الجلسة: د. بشار عواد معروف

المحاضرون: د. عمر عبد الغني حمدان، د. غانم قدوري الحمد، د. عادل إبراهيم أبو شعر

البحوث:

  • «مشروع المصاحف العثمانية والاختلاف الواقع في تحديد تاريخه وعدد نسخه»، تكلم فيه الدكتور عمر حمدان عن “مشروع المصاحف العثمانية” وإختلاف العلماء في تحديد سنته وعدد المصاحف المنسوخة والجهات التي أرسلت إليها.
  • «القراءات القرآنية في المصاحف المنقوطة: استكشاف وتأصيل»، تعرض فيه الدكتور غانم قدوري الحمد إلى قضية القراءات القرآنية في المصاحف المنقوطة التي لا تتفق مع القراءات السبع أو العشر مشيراً إلى مسألة الاختيار في القراءات قبل ابن مجاهد (توفي 324هـ) كتفسير لهذه الظاهرة. وقد استعان الباحث بثلاث مصاحف مخطوطة كنماذج للدراسة.
  • «علامات الضبط في المصاحف المخطوطة من القرن 1 إلى نهاية القرن 4 الهجري»، ركز فيه د. عادل أبو شعر على أهم علامات الضبط في المصاحف المخطوطة المشرقية والمغربية ومنهجها وألوانها ودلائلها الصوتية وفوائدها في معالجة ظواهر الرسم والإعراب والتجويد والقراءات.

الجلسة الثانية

مدير الجلسة: د. عبد الله الغنيم

المحاضرون: د. أكمل الدين إحسان أوغلو، د. سالم قدوري الحمد، د. بشار عواد معروف

البحوث:

  • «ملاحظات تاريخية وكوديكولجية على مصحف طوپ قاپی المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان»، قدم فيه الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو عرضاً للمصحف الكوفي المحفوظ في قصر طوب قابي سراي والمنسوب للخليفة عثمان بن عفان من الناحية التاريخية والكوديكولوجية، وتحدث عن مشروع ترميمه ودراسته مع مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) بالتعاون مع الدكتور طيار آلتي قولاج، الباحث التركي المعروف بدراساته لأقدم قطع المصاحف في العالم.
  • «أنظارٌ في حديث إنَّ هذا القُرآنَ أُنْزِلَ على سَبْعةِ أحْرُف»، تعرض فيه الدكتور بشار عواد معروف إلى حديث الأحرف السبعة مبيناً طرقه الصحيحة، واختلاف العلماء في معناه، وعلاقة الأحرف السبعة بالقراءات، ومسألة القراءة بالشاذ.
  • «أثر رخصة الأحرف السبعة في تدوين النص القرآني»، بين فيه الدكتور سالم قدوري الحمد أصول حديث الأحرف السبعة ودلالته، أثر رخصة الأحرف السبعة في تدوين القرآن الكريم، وأثرها في الرسم العثماني.

الجلسة الثالثة

مدير الجلسة: د. غانم قدوري الحمد

المحاضرون: د. عبدالحكيم بن يوسف الخليفي، د. كريم إفراق أحمد، د. سامي محمد سعيد عبدالشكور

البحوث:

  • «النقل الشفاهي للقرآن الكريم ومنهج النقد التاريخي»، يناقش فيه الدكتور عبد الحكيم الخليفي مسألة تطبيق مناهج النقد التاريخي – كما يمارسه علماء الأديان في الغرب – على الكتاب المقدس، وتطبيق ذات المنهج على القرآن الكريم وما يفترضه من عدم وثوقية النقل الشفاهي للنص.
  • «تاريخ المصحف الشريف من الشفاهية إلى الكتابية: دراسة نقدية كوديكولوجية للمدرسة الاستشراقية»، قدم فيه الدكتور كريم إفراق محمد تعريفاً بمنهجيات المدرسة الاستشراقية، الفرنسية والألمانية خاصة، والآليات التي اعتمدتها في إخضاع تاريخ المصحف الشريف إلى دراسة نصية ومادية.
  • «القراءات من زمن النشأة حتى عصر ابن مجاهد ورد شبهات الدكتور فرنسوا ديروش حولها»، قدم فيها الدكتور سامي عبد الشكور نقداً لمحاضرات الدكتور فرانسوا ديروش عن تاريخ القرآن بالكوليج دو فرانس (باريس)، وقد تركز النقد على موضوعات أصول ومصدر القرآن؛ طرق تدوين النص؛ زمن تدوينه وتحرير المصحف.
جانب من المؤتمر: معرض صور المخطوطات القرآنية

اليوم الثاني: الأحد 26 نوفمبر 2017

الجلسة الرابعة

مدير الجلسة: أ. صالح شهسواري

المحاضرون: د. عبد الرزاق بن هرماس، د. عبد الله الخطيب، د. قاسم السامرائي

البحوث:

  • «“الحواشي النقدية للقرآن” في فجر مشروع الكوربس كورانيكم»، تكلم فيه الدكتور عبد الرزاق بن هرماس عن جذور مشروع الكوربوس كورانيكوم الألماني، وهو مشروع “الحواشي النقدية للقرآن” الذي مولته أكاديمية العلوم البافارية في ثلاثينيات القرن العشرين، مبيناً – بالوثائق – منهج المشروع، وأهدافه، وما صدر عنه، والأسباب التي أدت إلى توقفه في آخر المطاف.
  • «القراءات الاستشراقية للقرآن الكريم -أنموذج مشروع المدونة القرآنية Corpus Coranicum»، ناقش فيها الدكتور عبد الله الخطيب موضوع القراءات الراديكالية المختلفة للنص القرآني والرد عليها، ومشروع «المدونة القرآنيةCorpus Coranicum من حيث النشأة والأهداف والوسائل.
  • «دقة الاختبار الكاربوني C14 في توريخ الرقوق القرآنية وعلاقته بالطروس»، تعرض فيه الدكتور قاسم السامرائي إلى مسألة استخدام الفحوص الكربونية المشعة (الكربون 14) في تأريخ الرقوق القرآنية المبكرة، وركز على دقة التوريخ الإشعاعي لرقوق المصاحف بمقارنته مع أساليب الباليوغرافيا التقليدية؛ مدى الثقة بنتيجة اختبار الكاربون المشع لرقوق المصاحف؛ اختلاف صناعة الرقوق في المشرق عنها في الغرب؛ وحبر رقوق المصاحف ودوره في توثيق الاختبار الكاربوني أو نقضه.

الجلسة الخامسة  

مدير الجلسة: أ. محمد ادريوش

المحاضرون: د. إدهام محمد حنش

البحوث:

  • «المنهج الجمالي لدراسة المصاحف المخطوطة: خطوط المصاحف حتى القرن الرابع الهجري تطبيقاً»، قدم فيه الدكتور إدهام حنش دراسة لخطوط المصاحف المبكرة بوصفها أهم المسائل الجمالية والوسائل الفنية لصورة المصحف الشريف، وأبرز الإشكاليات المعرفية والمنهجية التي ما تزال عناية الدراسات المصحفية ودورها الفني في تكوين المصحف الشريف وصورته الكلية.

وأتبع هذه الجلسة حوار مفتوح مع الدكتور بشار عواد معروف والدكتور غانم قدوري الحمد.

شدد د. بشار عواد معروف في كلمته على أن القرآن الكريم قد دوّن كاملاً في عهد أبي بكر الصديق الذي أمرَ زيد بن ثابت، وهو شاب حافظ ذكي، بجمع القرآن؛ فجعل زيد يتتبع القرآن يجمعه من العُسُب واللخاف والعظام وصدور الرجال. وفي خلافة عثمان، نسخ زيد الصُحُف التي جمعها زمن أبي بكر في المصاحف، وثم عممت هذه المصاحف الأمهات على الأمصار الإسلامية. ونبه عواد إلى أهمية التعبير عن هذه المرحلة بمصطلح “نَسخْ” المصاحف لا جمعها، لأن الأخير يوهم بأن القرآن الكريم كتب بعد ٢٠ عاماً من وفاة رسول الله r وهو غير صحيح. وأضاف أن صنيع عثمان قد تكلل بالنجاح ونسخت آلاف النسخ من المصحف حتى ذكر الحافظ الذهبي (ت748هـ) وجود أزيد من مليوني نسخة من المصحف العثماني في زمنه. وختم عواد كلمته بالإشارة إلى أن الحملات المناوؤة للقرآن الكريم ليست وليدة اليوم، بل هي قديمة قدم الإسلام نفسه، وأكد على ضرورة تجنب الردود الإعلامية الشعبوية وأن تكون المجلات والمؤتمرات العلمية هي الطريقة المثلى لعرض هذه الردود والنقاشات المعززة بالعلم والحجة.

أما الدكتور غانم قدوري الحمد، فقد أثنى على البحوث المقدمة وأكّد على ضرورة إعطاء المصاحف القديمة المخطوطة حقها من البحث والتمحيص، وبين أن الباحث في علوم القرآن يُفيد منها في خمسة علوم أساسية مرتبطة بالمصحف، هي علم الرسم، علم الضبط، علم القراءات، علم الوقف والإبتداء، وعلم عد الآي. وذكر كيف أنه قبل أربعين عاماً، لما أراد الإطلاع على مصحف جامع الحسين المنسوب لعثمان بن عفان لرسالته عن رسم المصحف، منع من ذلك ولم تفد الخطابات والرسائل في تغيير هذا الموقف التعسفي. أما اليوم، وبسبب الثورة التي يشهدها مجال رقمنة ونشر المخطوطات، فقد صار هذا المصحف وغيره متاحاً للباحثين.

«كل مصحف مخطوط له قيمة علمية لأنه يمثل مرحلة معينة من تاريخ رحلة المصحف الطويلة؛ قام عليه علماء وخطاطون، ومزخرفون، وقراء حتى أنجزوا هذه النسخة، فكل مصحف له قيمة علمية في الدراسة».

وذكر الحمد أنه جمع بحوثاً جديدة عن المصاحف المخطوطة في كتابين له، الأول أسماه (علم المصاحف) والثاني (علوم القرآن بين المصادر والمصاحف). وأكد على ضرورة أن تقوم الجهات والمؤسسات في العالم الإسلامي بجمع المصاحف المخطوطة، وفهرستها، وإتاحتها للباحثين والدارسين، وإقامة المعارض القرآنية، وإصدار المجلات التي تعنى بهذا الجانب من الأبحاث. وختم الأستاذ غانم الحمد كلمته بالتشديد على أهمية ترجمة آخر الدراسات الغربية في مجال المصاحف المخطوطة إلى اللغة العربية.

الكلمة الختامية

أكد الأستاذ محمد ادريوش في الكلمة الختامية أن مؤسسة الفرقان ماضية في منهجها نحو فهرسة المصاحف المخطوطة ودراستها وتوفيرها للباحثين، وأنها ستضع توصيات المشاركين وملاحظاتهم رهن التطبيق، وأن المؤسسة تمد ذراعيها للعلماء الذين يتقدمون إليها بمشاريع لفهرسة وتحقيق مخطوطات علوم القرآن. وأردف أن مؤسسة الفرقان جرت على عادتها في استكتاب الباحثين المتخصصين لمؤتمراتها العلمية بأن ترسل لهم دعوة شخصية للمشاركة، لكن أحد الباحثين – بحسن نية – نشر الديباجة الإعلانية لهذا المؤتمر على شبكة الإنترنت، فتهاترت الرسائل على المؤسسة، ووصلها أكثر من (130) ملخصاً بحثياً. وبعد التحكيم، اختارت المؤسسة (23) ملخصاً، المقبول منها (13) بحثاً هي التي عرضت في جلسات المؤتمر كما بيناه سابقاً. وختم ادريوش كلمته بشكر الحضور والمحاضرين على ما قدموه من إسهامات، ومداخلات، وآراء مثرية.

الباحث مع الأستاذ صالح شهسواري المدير التنفيذي للفرقان
جانب من الجلسة الختامية

توصيات المؤتمر

وقد خرج المؤتمر بالتوصيات التالية:

  1. أن تقوم مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بنشر بحوث هذا المؤتمر على نطاقٍ واسع، خصوصاً في الأوساط العلمية المتخصصة، والعمل على ترجمتها إلى اللغات الأجنبية.
  2. أن تقوم المؤسسة بتبني مشروع العناية بالمصاحف المخطوطة، ودعم وتشجيع مشاريع البحث العلمي في هذا المجال، مع إنشاء موقع إلكتروني خاص للتعريف بهذه الدراسات، وإعداد بيبليوغرافيا شاملة للدراسات القرآنية سواء في الشرق أو الغرب وإتاحتها على قاعدة بيانات.
  3. إنشاء مركز علمي خاص في تاريخ المصاحف المخطوطة موازٍ لمشروع “المدونة القرآنية” برعاية مؤسسة الفرقان، ويعقد صلات قوية مع المتاحف ودور الكتب في العالم لمحاولة جمع المصاحف المخطوطة المبكرة بصورة رقمية، على أن تتم فهرستها فهرسة علمية تحليلية وإتاحتها للباحثين والدارسين.
  4. تنظيم مؤتمرات وندوات ودورات دولية علمية خاصة في مجال المصاحف المخطوطة، والتعريف بقيمتها العلمية والتاريخية والجمالية، وتتبع جهود المستشرقين حول النص القرآني، وذلك في رحاب مؤسسات ومراكز علمية تضمن متابعة واسعة للباحثين والدراسين.
  5. تنسيق جهود مؤسسة الفرقان مع مؤسسات علمية أخرى تعمل في نفس المجال (كمركز تفسير للدراسات القرآنية في الرياض)، للعمل على الإرتقاء بمستوى هذه الدراسات، وتنظيم مؤتمر ثاني لهذا الموضوع مع تدارس محاور أخرى لم تناقش في هذا المؤتمر.
  6. دراسة القواميس والموسوعات والدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم والمكتوبة باللغات الأجنبية، والرد على ما فيها من شبهات تخالف ما اتفق عليه الأمة رداً علمياً رصيناً دون تعصب.
  7. أن تعمل المؤسسة على إصدار كتاب أو مرجع في تاريخ القرآن الكريم من وجهة نظر الإسلامية وترجمته إلى اللغات الأجنبية ليخاطب العقلية الغربية ويضع الصورة الصحيحة لذلك التاريخ بين أيديهم.
  8. إصدار موسوعة علمية خاصة لعلوم القرآن الكريم وترجمتها إلى اللغات الأجنبية لتعريف العالم بوجه النظر الإسلامية في القضايا المتعلقة بالقرآن الكريم.

 

Advertisements

النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي “إعادة قراءة”

في 9 ديسمبر 2015، كتبتُ مقالاً على موقع (ساسة بوست) عنوانه «حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي» [رابط المقال]، وقد كان مبثابة تعليق مني على خبر بثته الصُحُف عن إهداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنسخة خطيَّة قديمة من القرآن الكريم إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي؛ على خلفية اجتماع قمة منتدى الدول المصدرة للغاز في طهران.

وقتها، لم تذكر الصُحُف الكثير عن هذه النسخة سوى أنها «أقدم» مخطوطة قرآنية في روسيا، بالإضافة إلى كونها نُسخةً طبق الأصل (replica). لذا، واعتماداً على الصور الرقمية المنشورة لخامنئي وهو يطالع النسخة، استطعت قراءة الآيات المكتوبة على الورقة (من سورة النساء: 25-36). ثم، وباستخدام خاصية عرض المخطوطات القرآنية التي يقدمها موقع «كوربوس كورانيكوم» الألماني، رجّحت أن تكون النسخة هي القطعة المحفوظة في المكتبة الوطنية الروسية برقم «Marcel 17». وعلى أساس ذلك كله، شَرَعتُ تدريجياً في الحديث عن تاريخ هذه القطعة وكيف أنها ترجع في الأصل إلى جامع عمرو بن العاص في الفُسطاط، ومنه تحصل عليها المستشرق يوحنا يوسف مارسيل (1776 – 1854) إبَّان الحملة الفرنسية على مصر. وبعد وفاة مارسيل، قامت وريثتة السيدة «ديسنوير» عام 1864ببيع هذه القطعة مع قطع أخرى إلى المكتبة الوطنية الروسية (المكتبة الإمبراطورية العامة آنذاك).

لكن، وبعد نشر المقال، نبهني الأستاذ مرتضى كريمي نيا إلى عدم وجود صلة بين هذه النسخة والمصاحف العتيقة من مجموعة مارسيل، فلم تكن هذه النسخة – في الواقع – إلا المخطوطة القرآنية الشهيرة التي نشرها يفيم رضوان كنسخة طبق الأصل عام 2004، بعنوان: «مصحف عثمان: كاتا-لانجار، سانت بطرسبيرغ، بُخارى، طشقند». وبمقارنة الورقة التي تتضمن نفس الآيات من نسخة رضوان مع نسخة خامنئي، ثَبُتَ التطابق بين الإثنين (انظر الصور في الصفحة التالية). وأضاف كريمي أن نسخة رضوان تباع عادة بمبلغ وقدره (100) دولار، مع ملاحظة أن النسخة التي اهداها بوتين إلى خامنئي هي نسخة فخمة، ملونة، تقدم عادة لرؤساء الدول والشخصيات الإسلامية البارزة.   

يتضح من هذا خطأ التحليل الذي قدمته في المقال المذكور آنفاً، لذا اقتضى التنويه.

وختاماً، أقدم خالص شكري لمرتضى كريمي نيا، وللأستاذ سيد محمد نقوي على الصور التي تفضل بإرسالها لي.

أحمد شاكر

 6 مايو 2017

جديد بريل: «مصحف Amrensis 1» من القرن الثاني الهجري

71t-dKgIqZL

أعلنت دار نشر بريل Brill عن قرب إصدار المجلد الأول من سلستها الجديدة Documenta Coranica في يناير 2018، بعنوان «مصحف Amrensis 1»، وهو نسخة طبق الأصل لمصحف من القرن الثاني الهجري، المتبقي منه 75 ورقة متناثرة اليوم بين أربعة مجموعات حول العالم؛ المكتبة الوطنية الفرنسية (باريس)، متحف الفن الإسلامي (الدوحة)، المكتبة الوطنية الروسية (سانت بطرسبرغ)، ومجموعة ناصر خليلي (لندن). وكان المصحف في الأصل محفوظاً في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط. 

الكتاب مزدوج اللغة (بالعربية والفرنسية) وهو من إعداد الباحثة إلينور سيلارد من الكوليج دو فرانس.

 

مؤتمر عن مخطوطات القرآن في إسطنبول (25-26 نوفمبر 2017)

2017-11-18_12-03-20

تنظم مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي مؤتمراً في إسطنبول، بعنوان “القرآن الكريم من التنزيل إلى التدوين” (يومي 25 و26 من نوفمبر) لمناقشة قضايا المخطوطات القرآنية المبكرة والمشاريع الأوربية على خلفية اكتشاف “مصحف برمنجهام”.

برنامج المؤتمر

حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي

C8F89E31-A54C-4C6D-83E4-A88007362D10_mw1024_s_n

حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنائي([1])
أحمد وسام شاكر

في 23 نوفمبر 2015، نشرت الصحف خبرًا عن إهداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نسخة خطية للقرآن الكريم، وصفت بأنها “أقدم” نسخة في روسيا إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في اجتماع خاص عقد بينهما، قبيل انطلاق قمة الدول المصدرة للغاز في طهران. وبعيدًا عن التحليلات السياسية التي تحاول تقصي أسباب هذا الإهداء وانعاكساته على العلاقات الإيرانية الروسية، فإني أود في هذا المقال أن أعرف القراء بحقيقة هذه النسخة القرآنية وأصولها التاريخية، خصوصًا بعد قراءتي لبعض المقالات التي اخطأت في تحديد النسخة وخلطتها بنسخة قرآنية أخرى تُنسَب إلى الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه في معهد الاستشراق بسانت بطرسبورغ برقم (E-20)، والتي تحدث عنها المستعرب الروسي يفيم رضوان في أحد أفلامه الوثائقية. وعلى كل حال فإن نسختنا ليست بعيدة عن مدينة سانت بطرسبورغ بل هي من هناك فعلًا لكن في مكان بعيد نسبيًا عن معهد الاستشراق.

أقول بدايةً إن النسخة القرآنية التي أهديت إلى خامنئي هي عبارة عن نسخة طبق الأصل (فاكسميلي) وهذا النوع من النسخ يكون مطابقًا في حجمه للنسخة الأصلية المكتوبة على الرق أو غيره من مواد الكتابة، أما الأصل  نفسه فما زال في روسيا ولم يخرج منها قطعًا. وإهداء نسخ من هذا النوع لرؤساء الدول والرموز الدينية أمر شائع للغاية وبالأخص من دولة كروسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقًا. فقد أهُديت نسخة طبق الأصل من مصحف سمرقند (طشقند) المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر في منتصف ستينيات القرن الماضي فأودعه دار الكتب المصرية ولا يزال موجودًا إلى اليوم. ومثله أيضًا الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الذي أهدته روسيا عام 2009 نسخة قرآنية مذهبة تقديرًا لجهوده في دعم الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات، وغيرهم كثير.

والذي تبين لي بعد التدقيق في الصورة المنشورة لخامنئي وهو يطالع النسخة المهداة إليه أن الأوراق تعود إلى مخطوطة قرآنية مكتوبة بالخط الحجازي أو المائل –وهو أقدم أشكال الخط العربي المعروفة- تحتفظ بها اليوم المكتبة الوطنية الروسية بسانت بطرسبورغ تحت رقم (Marcel 17) وهي عبارة عن 17 ورقة تحصلت عليها المكتبة من وريثة المستعرب الفرنسي مارسيل – واسمها ديسنوير Desnoyer – عام 1864م ضمن مخطوطات قرآنية أخرى، ومارسيل هذا هو الذي استحوذ عليها – أو سرقها بمعنى أدق – واسمه الكامل جان جوزيف مارسيل (1776-1854).

كان مارسيل مرافقًا لنابليون بونابرت في حملته العسكرية الشهيرة على مصر، حيث كُلِّف بإدارة المطابع وطباعة الصحف للفرنسيين والمنشورات للمصريين وعمل أيضًا على إتقان العربية وتتبع الآثار القديمة، وفي تتبعه لهذه الأثار قام بزيارة لجامع عمرو بن العاص([1]) في الفسطاط بمصر القديمة وتحصل منه على هذه المخطوطات القرآنية التي باعتها وريثته – كما مر معنا – ومنها مخطوطة مارسيل 17، والمثير أني وفي أثناء عملي على ترجمة أحد المقالات التي تتكلم عن المخطوطات القرآنية في مجموعة هذا المستعرب في المكتبة الوطنية الروسية[2] عثرت على وقفية (لوحة رقم : 1) تعود على الأرجح لجامع عمرو لم يكن تفريغ نصها منشورًا في المقال فعملت جاهدًا على وضع قراءة لها فكانت:

(في سبيل الله رجاء ثواب الله وجزيل عطائه لا يحل لأحد من المسلمين أن يغيره ولا يبدله عن ما هو عليه ولا يباع ولا يورث رحم الله من قرأ فيه).

waqf
لوحة رقم (1): مقتطف من نقش الوقف (الوقف الخيري)، يعود على الأغلب لجامع عمرو بن العاص في القاهرة القديمة، كتبه موسى بن بغا الكبير (توفي 877م). القرن 9. رق. 19 * 29 سم. خط كوفي (نمط D.I). إطار مزخرف. (مارسيل 110، ورقة 2/ظ)

هذا يدلنا على أن المخطوطات القرآنية التي تتباهى بها المكتبة الوطنية الروسية موقوفة على الجامع، ولا يمكن شراؤها إلا بشراء ذمم المستأمنين عليها، وفي هذا السياق تقول بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن (1913-1998) «أن ذخائر المخطوطات في مصر بعضها كان مودعًا في المساجد والزوايا بضاعةً رخيصة لا تساوي وزنها ورقًا عند خدُّام المساجد الموكول إليهم أمرها، وقد حدَّث شاهد عيان من أساتذتنا أنه رأى بعينيه خادم مسجد المؤيد يملأ السلال بنفائس المخطوطات ويبيعها لمن يطلبها بثمن بخس!».

ومخطوطة مارسيل 17 (17 ورقة) ومنجانا 1572ب (7 أوراق) ومخطوطة متحف الفن الإسلامي في الدوحة برقم 67 (4 أوراق) = 28 ورقة، كلها تعود إلى مصحف واحد أصله الجامع العتيق أو جامع عمرو بن العاص في الفسطاط. والذي نعرفه حاليًا أن مخطوطة منجانا 1572ب اشتراها القس الكلداني ألفونس منجانا من تاجر أوربي عام 1936 بمبلغ وقدره 11 باوند. ويذكر أستاذ الكوديكولوجيا الشهير فرانسوا ديروش أن مخطوطة مارسيل 17 هي عمل جماعي شارك فيه ثلاثة نساخ.


([1]) مقال منشور على موقع «ساسة بوست» بتاريخ 9 ديسمبر 2015.

([2]) وهذا الجامع أقبل عليه عددٌ من المستشرقين قديماً كالرحالة الألماني أولريش زيتسن (1767 – 1811) وأخذ بعضهم منه ما الله به عليم من المخطوطات الموقوفة على الجامع كمعتمد القنصلية الفرنسية – آنذاك – أسلان دو شرفيل (1772-1822) وعنه بيعت للمكتبة الوطنية الفرنسية عام 1833م ومن أشهرها مخطوطة حجازية برقم Arabe 328، وهذه الأوراق العمرية (نسبة إلى جامع عمرو) متناثرة اليوم في بلاد عديدة كروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وغيرها. والله المستعان!

([2]) للمزيد عن «مجموعة مارسيل» في المكتبة الوطنية الروسية انظر مقال بعنوان: المصاحف المبكرة من مجموعة جان جوزيف مارسيل، وقد ورد في هذا المقال خبر عن إطلاق مشروع لتصوير هذه المخطوطات ونشرها بالتعاون مع مؤسسة ماكس فان بيرشم، فلعل النسخة التي أهديت لخامنئي هي واحدة من هذه الإصدارات، والله أعلم.