عن المستشرق الألماني برنهارد موريتز أو كتاب «الباليوغرافيا العربية» (1905)

20180508_171113
Arabic Palaeography by Bernhard Moritz (Cairo, 1905). Courtesy of the Department of Rare Books and Special Collections, Mcgill University. Photograph Ahmed Shaker

برنهارد موريتز مستشرق ألماني، رحلَ بين العراق والمغرب لإقتناء المخطوطات والآثار الجغرافية، وقد وسمه يوهان فوك صِفة العلم بالمشرقيات من العرق إلى المغرب عمل موريتز أميناً لمكتبة معهد اللغات في برلين (1887–1896)؛ مديراً للكتبخانة الخديوية بالقاهرة (1896–1911)؛ ثم ومديراً لمكتبة معهد اللغات الشرقية (1911–1924).

من مؤلفاته: «قطع عربية من تأليف أهل زنجبار وعمان» (برلين 1892)، و«مجموعة الخطوط العربية من القرن الأول الهجري حتى عام 1000هـ» (القاهرة 1905)، و«جغرافية الجزيرة العربية الطبيعية والتاريخية» (هانوفر 1925) و«التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية» لابن الجيعان بالعربية والألمانية، وغيرها. ومن دراساته: «البتراء» (1908)، و«ابن سعيد الصقلي» (1910)، و«الآثار العربية في سيناء» (1910)، و«فرمانات السلطان سليم الأول» (1915) و«قواعد العربية» (1933) و«من تاريخ الجزيرة العربية» (1935).

في هذا المقال، نلقي الضوء على كتاب موريتز الموسوم «مجموعة الخطوط العربية من القرن الأول الهجري حتى عام 1000هـ» أو اختصاراً: البيالوغرافيا العربية Arabic Palaeography.

اضغط لقراءة المقال بصيغة PDF

«مصحف عثمان» بدار الكتب المصرية: التاريخ والأصول

f65
Bibliothèque nationale de France, Département des manuscrits, Arabe 324, f.32r

مُلخص الورقة:
لقرون طويلة، ظل هذا المصحف الضخم – الذي عُرف لاحقاً باسم «مصحف عثمان» – محفوظاً في جامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر، يقرأ فيه عامة المسلمين ويُـتبَرَك بمسه والدعاء عنده طلباً للأجر وحصول البركة، إلى أن نُقل إلى الكتبخانة الخديوية أواخر القرن التاسع عشر. وقبل ذلك بعدة عقود،كان بعض المستشرقين والرحالة الفرنسيين والألمان قد استحوذوا على عددٍ من أوراقه التي استقرت أخيراً في مكتبات أوربية عامي 1810 و1833. تقدم هذه الورقة عرضاً، مركزاً، لأصول وتاريخ هذ المصحف؛ القطع المتناثرة منه وسياق وصولها إلى المكبتات الأوربية؛ مع التطرق للوصف الكوديكولوجي وآراء الباحثين بشأن زمن كتابته.

اضغط لتحميل الورقة PDF

النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي “إعادة قراءة”

في 9 ديسمبر 2015، كتبتُ مقالاً على موقع (ساسة بوست) عنوانه «حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي» [رابط المقال]، وقد كان مبثابة تعليق مني على خبر بثته الصُحُف عن إهداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنسخة خطيَّة قديمة من القرآن الكريم إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي؛ على خلفية اجتماع قمة منتدى الدول المصدرة للغاز في طهران.

وقتها، لم تذكر الصُحُف الكثير عن هذه النسخة سوى أنها «أقدم» مخطوطة قرآنية في روسيا، بالإضافة إلى كونها نُسخةً طبق الأصل (replica). لذا، واعتماداً على الصور الرقمية المنشورة لخامنئي وهو يطالع النسخة، استطعت قراءة الآيات المكتوبة على الورقة (من سورة النساء: 25-36). ثم، وباستخدام خاصية عرض المخطوطات القرآنية التي يقدمها موقع «كوربوس كورانيكوم» الألماني، رجّحت أن تكون النسخة هي القطعة المحفوظة في المكتبة الوطنية الروسية برقم «Marcel 17». وعلى أساس ذلك كله، شَرَعتُ تدريجياً في الحديث عن تاريخ هذه القطعة وكيف أنها ترجع في الأصل إلى جامع عمرو بن العاص في الفُسطاط، ومنه تحصل عليها المستشرق يوحنا يوسف مارسيل (1776 – 1854) إبَّان الحملة الفرنسية على مصر. وبعد وفاة مارسيل، قامت وريثتة السيدة «ديسنوير» عام 1864ببيع هذه القطعة مع قطع أخرى إلى المكتبة الوطنية الروسية (المكتبة الإمبراطورية العامة آنذاك).

لكن، وبعد نشر المقال، نبهني الأستاذ مرتضى كريمي نيا إلى عدم وجود صلة بين هذه النسخة والمصاحف العتيقة من مجموعة مارسيل، فلم تكن هذه النسخة – في الواقع – إلا المخطوطة القرآنية الشهيرة التي نشرها يفيم رضوان كنسخة طبق الأصل عام 2004، بعنوان: «مصحف عثمان: كاتا-لانجار، سانت بطرسبيرغ، بُخارى، طشقند». وبمقارنة الورقة التي تتضمن نفس الآيات من نسخة رضوان مع نسخة خامنئي، ثَبُتَ التطابق بين الإثنين (انظر الصور في الصفحة التالية). وأضاف كريمي أن نسخة رضوان تباع عادة بمبلغ وقدره (100) دولار، مع ملاحظة أن النسخة التي اهداها بوتين إلى خامنئي هي نسخة فخمة، ملونة، تقدم عادة لرؤساء الدول والشخصيات الإسلامية البارزة.   

يتضح من هذا خطأ التحليل الذي قدمته في المقال المذكور آنفاً، لذا اقتضى التنويه.

وختاماً، أقدم خالص شكري لمرتضى كريمي نيا، وللأستاذ سيد محمد نقوي على الصور التي تفضل بإرسالها لي.

أحمد شاكر

 6 مايو 2017

المحقق طيار آلتي قولاج: قصة تركي عاشق للمصاحف القديمة

resized_efcc9-183da75cfotoraf
Tayyar Altıkulaç

منذ انطلاق الألفية الثالثة ومركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) يكثف من جهوده في تصوير وإصدار المصاحف القديمة، المكتوب بالخطين الحجازي والكوفي، كنُسَخ فوتوغرافية مطابقة للأصل بعناية وتحقيق الدكتور طيار آلتي قولاج. ونظرًا للأهمية العلمية لهذه الأعمال في حقلي الدراسات القرآنية والباليوغرافيا العربية، فقد رأيت أن أخصص هذا المقال للتعريف بهذا الباحث التركي وتحقيقاته. ومما شجعني على الكتابة أيضًا جملة من الأسباب الشخصية؛ ذلك أني أول ما قرأت في موضوع المصاحف المبكرة دراسته لمصحف طوب قابي سراي المنسوب إلى عثمان بن عفان وكانت استفادتي منها عظيمة للغاية؛ مهدت لي الطريق بعد ذلك للتعمق في هذا التخصص النادر. جديرٌ بالذكر هنا أن الدكتور خالد إرن مدير عام إرسيكا والدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي، يساهمان بشكل فاعل في دعم وإخراج مثل هذه الأعمال الكوديكولوجية التي تعبر عن تاريخ الحضارة الإسلامية وكتابها المقدس.

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع إضاءات

حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي

C8F89E31-A54C-4C6D-83E4-A88007362D10_mw1024_s_n

حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنائي([1])
أحمد وسام شاكر

في 23 نوفمبر 2015، نشرت الصحف خبرًا عن إهداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نسخة خطية للقرآن الكريم، وصفت بأنها “أقدم” نسخة في روسيا إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في اجتماع خاص عقد بينهما، قبيل انطلاق قمة الدول المصدرة للغاز في طهران. وبعيدًا عن التحليلات السياسية التي تحاول تقصي أسباب هذا الإهداء وانعاكساته على العلاقات الإيرانية الروسية، فإني أود في هذا المقال أن أعرف القراء بحقيقة هذه النسخة القرآنية وأصولها التاريخية، خصوصًا بعد قراءتي لبعض المقالات التي اخطأت في تحديد النسخة وخلطتها بنسخة قرآنية أخرى تُنسَب إلى الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه في معهد الاستشراق بسانت بطرسبورغ برقم (E-20)، والتي تحدث عنها المستعرب الروسي يفيم رضوان في أحد أفلامه الوثائقية. وعلى كل حال فإن نسختنا ليست بعيدة عن مدينة سانت بطرسبورغ بل هي من هناك فعلًا لكن في مكان بعيد نسبيًا عن معهد الاستشراق.

أقول بدايةً إن النسخة القرآنية التي أهديت إلى خامنئي هي عبارة عن نسخة طبق الأصل (فاكسميلي) وهذا النوع من النسخ يكون مطابقًا في حجمه للنسخة الأصلية المكتوبة على الرق أو غيره من مواد الكتابة، أما الأصل  نفسه فما زال في روسيا ولم يخرج منها قطعًا. وإهداء نسخ من هذا النوع لرؤساء الدول والرموز الدينية أمر شائع للغاية وبالأخص من دولة كروسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقًا. فقد أهُديت نسخة طبق الأصل من مصحف سمرقند (طشقند) المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر في منتصف ستينيات القرن الماضي فأودعه دار الكتب المصرية ولا يزال موجودًا إلى اليوم. ومثله أيضًا الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الذي أهدته روسيا عام 2009 نسخة قرآنية مذهبة تقديرًا لجهوده في دعم الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات، وغيرهم كثير.

والذي تبين لي بعد التدقيق في الصورة المنشورة لخامنئي وهو يطالع النسخة المهداة إليه أن الأوراق تعود إلى مخطوطة قرآنية مكتوبة بالخط الحجازي أو المائل –وهو أقدم أشكال الخط العربي المعروفة- تحتفظ بها اليوم المكتبة الوطنية الروسية بسانت بطرسبورغ تحت رقم (Marcel 17) وهي عبارة عن 17 ورقة تحصلت عليها المكتبة من وريثة المستعرب الفرنسي مارسيل – واسمها ديسنوير Desnoyer – عام 1864م ضمن مخطوطات قرآنية أخرى، ومارسيل هذا هو الذي استحوذ عليها – أو سرقها بمعنى أدق – واسمه الكامل جان جوزيف مارسيل (1776-1854).

كان مارسيل مرافقًا لنابليون بونابرت في حملته العسكرية الشهيرة على مصر، حيث كُلِّف بإدارة المطابع وطباعة الصحف للفرنسيين والمنشورات للمصريين وعمل أيضًا على إتقان العربية وتتبع الآثار القديمة، وفي تتبعه لهذه الأثار قام بزيارة لجامع عمرو بن العاص([1]) في الفسطاط بمصر القديمة وتحصل منه على هذه المخطوطات القرآنية التي باعتها وريثته – كما مر معنا – ومنها مخطوطة مارسيل 17، والمثير أني وفي أثناء عملي على ترجمة أحد المقالات التي تتكلم عن المخطوطات القرآنية في مجموعة هذا المستعرب في المكتبة الوطنية الروسية[2] عثرت على وقفية (لوحة رقم : 1) تعود على الأرجح لجامع عمرو لم يكن تفريغ نصها منشورًا في المقال فعملت جاهدًا على وضع قراءة لها فكانت:

(في سبيل الله رجاء ثواب الله وجزيل عطائه لا يحل لأحد من المسلمين أن يغيره ولا يبدله عن ما هو عليه ولا يباع ولا يورث رحم الله من قرأ فيه).

waqf
لوحة رقم (1): مقتطف من نقش الوقف (الوقف الخيري)، يعود على الأغلب لجامع عمرو بن العاص في القاهرة القديمة، كتبه موسى بن بغا الكبير (توفي 877م). القرن 9. رق. 19 * 29 سم. خط كوفي (نمط D.I). إطار مزخرف. (مارسيل 110، ورقة 2/ظ)

هذا يدلنا على أن المخطوطات القرآنية التي تتباهى بها المكتبة الوطنية الروسية موقوفة على الجامع، ولا يمكن شراؤها إلا بشراء ذمم المستأمنين عليها، وفي هذا السياق تقول بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن (1913-1998) «أن ذخائر المخطوطات في مصر بعضها كان مودعًا في المساجد والزوايا بضاعةً رخيصة لا تساوي وزنها ورقًا عند خدُّام المساجد الموكول إليهم أمرها، وقد حدَّث شاهد عيان من أساتذتنا أنه رأى بعينيه خادم مسجد المؤيد يملأ السلال بنفائس المخطوطات ويبيعها لمن يطلبها بثمن بخس!».

ومخطوطة مارسيل 17 (17 ورقة) ومنجانا 1572ب (7 أوراق) ومخطوطة متحف الفن الإسلامي في الدوحة برقم 67 (4 أوراق) = 28 ورقة، كلها تعود إلى مصحف واحد أصله الجامع العتيق أو جامع عمرو بن العاص في الفسطاط. والذي نعرفه حاليًا أن مخطوطة منجانا 1572ب اشتراها القس الكلداني ألفونس منجانا من تاجر أوربي عام 1936 بمبلغ وقدره 11 باوند. ويذكر أستاذ الكوديكولوجيا الشهير فرانسوا ديروش أن مخطوطة مارسيل 17 هي عمل جماعي شارك فيه ثلاثة نساخ.


([1]) مقال منشور على موقع «ساسة بوست» بتاريخ 9 ديسمبر 2015.

([2]) وهذا الجامع أقبل عليه عددٌ من المستشرقين قديماً كالرحالة الألماني أولريش زيتسن (1767 – 1811) وأخذ بعضهم منه ما الله به عليم من المخطوطات الموقوفة على الجامع كمعتمد القنصلية الفرنسية – آنذاك – أسلان دو شرفيل (1772-1822) وعنه بيعت للمكتبة الوطنية الفرنسية عام 1833م ومن أشهرها مخطوطة حجازية برقم Arabe 328، وهذه الأوراق العمرية (نسبة إلى جامع عمرو) متناثرة اليوم في بلاد عديدة كروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وغيرها. والله المستعان!

([2]) للمزيد عن «مجموعة مارسيل» في المكتبة الوطنية الروسية انظر مقال بعنوان: المصاحف المبكرة من مجموعة جان جوزيف مارسيل، وقد ورد في هذا المقال خبر عن إطلاق مشروع لتصوير هذه المخطوطات ونشرها بالتعاون مع مؤسسة ماكس فان بيرشم، فلعل النسخة التي أهديت لخامنئي هي واحدة من هذه الإصدارات، والله أعلم.

التعليق على خبر “اكتشاف” مخطوطة قرآنية قديمة في جامعة برمنجهام

Embed from Getty Images

أعلنت جامعة برمنجهام على موقعها الرسمي بتاريخ 22 يوليو 2015 عن نتائج إجراء الفحص الكربوني المشع لواحدة من المخطوطات القرآنية القديمة التي تحتفظ بها مكتبة الجامعة في قسم الشرق الأوسط ضمن أرشيف القس الكلداني ألفونس منجانا (1878-1937). وقد حقق هذا الخبر انتشاراً إعلامياً واسعاً في الصحافة الغربية وتفاعل معه الكثير من القراء على شبكات تواصل الإجتماعي. 

أما عن ردود الأفعال من جانب جامعة برمنجهام، فقد علقت سوزان واريل مديرة المجموعات الخاصة بالجامعة بأن الباحثين لم يكن يخطر ببالهم أبداً أن المخطوطة قديمة إلى هذا الحد وأضافت بأن امتلاك الجامعة صفحات من المصحف قد تكون هي الأقدم في العالم كله أمر في غاية الإثارة. كما وصرح ديفيد توماس أستاذ المسيحية والإسلام في الجامعة بأن ناسخ المخطوطة – استناداً إلى نتيجة الفحص الكربوني – لابد أنه عرف النبي محمد، وربما رآه واستمع إلى حديثه، وربما كان مقربا منه، وهذا ما يستحضره هذا المخطوط.([1])

ومخطوطة جامعة برمنجهام (Arabic 1572a) عبارة عن ورقتين مكتوبة بخط حجازي أو مائل وتحتوي على آيات من سورة الكهف ومريم وطه. لقد ظلت هذه الأوراق لفترة طويلة مُختلطة خطأً مع مخطوطة أخرى مكونة من سبعة أوراق، ويعود الفضل إلى ألبا فضيلي المشاركة في قسم المنح النصية والتحرير الإلكتروني التي أدركت الأهمية العلمية لهذه المخطوطة ورشحتها لفحص الكربون المشع.([2])

وجائت نتيجة الفحص الكربوني المشع C14 التي أجريت في أحد مختبرات جامعة أكسفورد إلى أنه من المرجح بنسبة 94.5% أن تكون المخطوطة قد نشأت في الفترة من 568م إلى 645م([3]) = 56 قبل الهجرة إلى 24 هجرية. ومعلومٌ أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في عام 610م وحضرته الوفاة في عام 632م، فعلى هذا تكون المخطوطة من العهد النبوي أو على أقصى تقدير من فترة الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه.

هذا المقال عبارة عن تعليقات مختصرة على الخبر وتقييم لردود الأفعال عليه، وسيكون هناك مقال مفصل لدراسة أوراق هذه المخطوطة القرآنية وتحليلها علمياً، قريباً إن شاء الله.

  1. المخطوطات القرآنية تكون في الغالب ضمن أرشيف مكتبة حكومية أو جامعية، فالحاصل أنه يتم التعرف على المخطوطات القرآنية المهمة، بالأخص المكتوبة بالخط الحجازي أو المائل، ومن ثم إخضاعها لفحص الكربون المشع، فلا يعتبر الأمر اكتشافاً بهذا المعنى، لكن ضمن صياغة الخبر الصحفي يتم استخدام عبارة “اكتشاف” كذا أو “العثور” على كذا. ومخطوطة جامعة برمنجهام تمت رقمنتها ونشرها على قاعدة بيانات الجامعة منذ عام 2009 تقريباً. 
  2. كان بالإمكان نشر نتيجة الفحص الكربوني في دورية علمية محكمة بحيث ينحصر أمر الاطلاع على هذه النتيجة على المتخصصين والمهتمين فقط، إلا أن جامعة برمنجهام أرادت مشاركة هذا الخبر مع الجميع، قراء عاديين ومختصين، وهذا الذي يفسر تفرد الـ BBC بنشر الخبر في بادئ الأمر قبل حتى أن تنشر الجامعة بياناً صحفياً ومن ثم تدريجياً باقي المواقع الإخبارية. والإشكال في ذلك هو أن التعامل مع الخبر ينخفص من المستوى الأكاديمي للمستوى الشعبي بحيث يستطيع الكل بخبرته الكوديكولوجية والباليوجرافية التي لا يشق لها غبار أن يفتي فيه! 
  3. نتيجة الفحص الكربوني – كما مر معنا – تقول إنه من المرجح بنسبة 95.4.% أن تكون المخطوطة قد نشأت في الفترة من عام 568 إلى عام 645م = 56 ق.هـ إلى 24 هـ تقريباً. نظرياً تم تأريخ الرق وليس الحبر لأن قياس عمر الحبر صعب للغاية، وعلى افتراض إن الفترة بين إعداد الرق والكتابة عليه كانت قصيرة ممكن نقول إن المخطوطة كتبت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد أو عقدين، لكن احتمالية تأخر الكتابة مطروح كذلك. في النهاية، الفحص الكربوني عامل مساعد لا أكثر. بعض الخبراء في المخطوطات الذين علقوا على الخبر كالدكتور بشير الحميري قدر فترة كتابة المخطوطة بنهاية القرن الأول الهجري. 
    وبغض النظر عن التاريخ الآن، فتحليل المخطوطة نفسها من حيث الرسم، القراءات،عد الآي، النقط والشكل وفواتح السور، وغيرها من المسائل العلمية = نتائجها ستكون مفيدة جداً وستثري معلوماتنا عن هذه المواضيع، ولا يعرف قيمة هذه الأشياء إلا المشتغلين بها.
  4. نتائج الفحوص الكربونية التي أجريت مؤخراً([4]في كل من جامعة ليدن وتوبنجين وغيرها، وظيفتها أن تستخدم ضمن مشروع أكثر شمولية يدرس القرآن الكريم متبعاً منهجاً فيلولوجياً وهو مشروع “كوربوس كورانيكوم” Corpus Coranicum الذي انطلق عام 2007 في أكاديمية برلين براندنبيرغ للعلوم الإنسانية. هذا المشروع لديه وحدة خاصة بالمخطوطات القرآنية تهتم بتأريخ المخطوطات مستعينة بالأدوات التقليدية والتقنيات التكنلوجية الحديثة. 
  5. الفحوص الكربونية التي تعطي تاريخاً مبكراً تغذي النقاش السائد في الدوائر الاستشراقية عن “الجمع المبكر” للقرآن الكريم بحسب المصادر الإسلامية أمام فرضية “الجمع المتأخر” التي بتناها عدد من الباحثين الغربيين من المدرسة التنقيحية. الفحوصات من هذا تعطي غالباً مصداقية للمصادر الإسلامية عن جمع القرآن محرجة الطرف الأخر المشكك. والطريف أن بعض المنقحين اتجه لاستخدام نتيجة فحص كربوني معملي تم في ليون (تم التشكيك فيه أصلاً!) ليقول باحتمالية إن القرآن يسبق النبي محمد والإسلام نفسه!. 
  6.  تعليقات الدكتور أيمن سويد على الخبر([5]) ضعيفة من الناحية العلمية وهو وضع شروطاً لو طبقها الإمام الداني – مثلاً – لما نقل لنا شيئاً من ظواهر الرسم في المصاحف التي رأها بعينه، فهل كان رحمه الله يدري ما اسم الناسخ ودرجة عدالته عند النقل؟!
    يقول أستاذنا إياد السامرائي حفظه الله: 
    (فالمصاحف المخطوطة هي المصدر الأساس لعلم الرسم، وعليها مدار التأليف في الهجاء، وأنهم يعاضدون الرواية عن العلماء بما تأملوه في المصاحف الخطية العتيقة، بل ربما استندوا إليها في الترجيح عند اختلاف أئمة الرسم في رسم كلمة ما، أو رجعوا إليها إذا عدموا الرواية في وصف هجاء كلمة ما)([6]) ا.هـ 
    وأفضل من تفاعل مع الخبر من المختصين وأصل له بطريقة منهجية هو الشيخ مساعد الطيار([7]) حفظه الله وهو يغني عن غيره، فليراجع. 

وكتبه أحمد وسام شاكر 

9 أغسطس 2015 


الهوامش: 

[1]  شون كوغلان، العثور على صفحات من إحدى “أقدم” نسخ المصحف في جامعة برمنغهام، بي بي سي، 22 يوليو 2015. رابط المقال:  http://www.bbc.com/arabic/artandculture/2015/07/150721_uk_birmingham_koran

[2] Birmingham.ac.uk, (2015). Discovery of ancient Qur’an fragment. [online] Available at: http://www.birmingham.ac.uk/research/activity/itsee/news/2015/quran-discovery.aspx [Accessed 1 Aug. 2015].

[3] Birmingham.ac.uk, (2015). Birmingham Qur’an manuscript dated among the oldest in the world. [online] Available at: http://www.birmingham.ac.uk/news/latest/2015/07/quran-manuscript-22-07-15.aspx [Accessed 1 Aug. 2015].

[4] وعن هذه الفحوص الكربونية انظر: أحمد وسام شاكر، التحليل الكربوني المشع (C14) للمخطوطات القرآنية القديمة، مقال منشور على المدونة (أبريل 2015). 

[5] مقطع صوتي منشور على يوتيوب بتاريخ 22 يوليو 2015 :

https://www.youtube.com/watch?v=5o0qpKgCDR4

[6] من اللقاء الذي أجريناه مع الدكتور وهو منشور في مجلة الدراسات الدينية، العدد الثاني، جمادى الآخرة 1436هـ، (ص: 61-66). وتوجد نسخة نصية من اللقاء منشورة على المدونة (هنا)

[7] انظر: (مقالة في المصاحف المخطوطة) للدكتور مساعد الطيار وهي منشورة على موقعه بتاريخ 2015/07/27. رابط المقال: http://www.attyyar.net/container.php?fun=artview&id=542

التحليل الكربوني المشع (C14) للمخطوطات القرآنية القديمة

1 (2)

التحليل الكربوني المشع (C14) للمخطوطات القرآنية القديمة:

مخطوطة جامعة ليدن أقدم بمائة عام مما كان متوقعاً !

أحمد وسام شاكر 

مقدمة:

مؤخراً، قام مشروع كوربوس كورانيكوم الألماني بإجراء فحوصات التحليل الكربوني المشع C14 لعدد من المخطوطات القرآنية القديمة التي تحتفظ بها مكتبات جامعية وحكومية في أوربا مثل مكتبة جامعة توبنجين، جامعة ليدن، ومكتبة برلين الحكومية. ومن المتوقع مستقبلاً أن يقوم المشروع بإجراء المزيد من هذه الفحوصات عن طريق التعاون مع مختبرات خاصة، كمختبر Ion Beam Physics في المعهد الفدرالي للتكنلوجيا (ETH) في زيورخ.

لقد تحدثتُ في مقالات سابقة عن هذه التحليلات الكربونية بالنسبة لمخطوطتي مكتبة جامعة توبنجين ومكتبة برلين الحكومية[1]، ولهذا فإني سأخصص هذا المقال للحديث عن مخطوطة جامعة ليدن؛ وهي من أولى الجامعات التي قام المشروع الألماني بالتعاون معها لإجراء هذا النوع من الفحوصات منذ إنطلاقه عام 2007.

الفحص الكربوني

في 21 يوليو 2014، أعلنت جامعة ليدن على موقعها الرسمي[2] عن خبر إجراء التحليل الكربوني المشع C14 لقطعة قرآنية (Fragment) تعد أقدم قطعة قرآنية تحتفظ بها الجامعة على الإطلاق. لقد كان الخبراء يعتقدون أن هذه المخطوطة تعود إلى الفترة ما بين عامي 770 و 830 ميلادي، إلا أن الفحص الكربوني المشع أعطى نتيجة مبكرة وأعادها إلى الفترة ما بين عامي 650 و 713 ميلادي (صورة رقم: 1)، 30-70 عاماً بعد وفاة رسول الله صلى الله علبه وسلم؛ فهي بذلك أقدم بمائة عام مما كان يعتقد سابقاً.

وتأتي أهمية هذه النتيجة كما في التعليقات التي أوردتها الجامعة لبعض الأكاديميين، للتأكيد على صحة ما ذكرته المصادر الإسلامية من قيام الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنها بجمع القرآن الكريم، أي قيامه بتوحيد المصاحف وإرسالها إلى أهل الأمصار الإسلامية (الجمع الثاني)، أو – على الأقل – عدم تعارض هذه النتيجة مع ما ذكرته المصادر الإسلامية عن هذا الجمع. ولقد شارك في هذا النقاش كلاً من باتريسيا كرون ومايكل كوك، وهما من معسكر المشككين. وفي رأيّ، كلما تم اكتشاف مخطوطات قرآنية تعود إلى القرن السابع الميلادي/الأول الهجري كلما تعرضت نظرية المشككين عن “الجمع المتأخر” للقرآن إلى النقد وبالتالي إلى التقويض، وهي في الأساس لا تحظى بقبول بين غالبية الأكاديميين في الغرب اليوم.

صورة رقم: 1 نتائج فحص الكربون المشع -كاربون 14 - لمخطوطة جامعة ليدن ((Or. 14.545 b-c المصدر:  leidenuniv.nl
صورة رقم: 1
نتائج فحص الكربون المشع -كاربون 14 – لمخطوطة جامعة ليدن (Or. 14.545 b-c)
المصدر: leidenuniv.nl

وصف مخطوطة جامعة ليدن

تتكون مخطوطة جامعة ليدن من قطعتين، الأولى: (Or. 14.454b) والثانية: (Or. 14.454c). الورقة مكتوبة بخط مائل بالحبر البني. أشترت جامعة ليدن هذه القطع عام 1979 من ج. سي. جوريسن السفير الهولندي السابق في بيروت، وقد تبين أنها جزء من المخطوطة (Arabe 331) التي تحتفظ بها المكتبة الوطنية الفرنسية.[3] وفيما يلي وصف لهذه الأوراق[4]:

القطعة (b): ورقة واحدة؛ 40×32 سم؛ 19 سطراً في الصفحة. الورقة مكتوبة بخط مائل بالحبر البني. تحتوي هذه القطعة على سورة النحل، الآيات: 96 (أول كلمة في المخطوطة: “ما عندكم”) – 114 (آخر كلمة: “نعمت”). [انظر صورة رقم: 2-3] . وتظهر في القطعة علامات تنقيط للتمييز بين الحروف المتشابهة ولكن بدون شكل، وهناك خطوط مائلة للفصل بين الآيات (رؤوس الآي).

القطعة (c): ورقة واحدة؛ 34 35x سم؛ 18 سطراً في الصفحة. الورقة مكتوبة بخط مائل بالحبر البني. تحتوي هذه القطعة في الصفحة اليمنى (verso) على سورة المنافقون، الآيات: 1 (أول كلمة: “المنفقون”) – 7 (آخر كلمة: “لا يفقهون”. وفي الصفحة اليسرى (recto) على المنافقون: 8 (أول كلمة: “المنفقون”) – التغابن: 4  (آخر كلمة: “عليم”). [انظر صورة رقم: 4-5] ونلاحظ في السطر الأخير، قبيل الفراغ الفاصل بين نهاية سورة المنافقون وبداية سورة التغابن، عبارة مكتوبة بخط صغير تقول: “ي ا ختمة سورة المنفقون”،  وياء ألف = 11، أي انتهاء سورة المنافقون وعدد آياتها 11 آية. (انظر صورة رقم: 5). وتظهر في القطعة علامات تنقيط للتمييز بين الحروف المتشابهة ولكن بدون شكل، وهناك خطوط مائلة للفصل بين الآيات (رؤوس الآي).

وبعد إجراء المقارنة بين القطعتين (b و c) لم نجد أي اختلاف بينها وبين المصحف الحالي إلا في طريقة هجاء بعض الكلمات.

صورة رقم: 2-3
صورة رقم: 4-5
صورة رقم: 4-5

خاتمة

بعد هذا العرض، ألخص أبرز النتائج التي توصلت لها الفحوصات الإشعاعية للمخطوطات القرآنية الثلاثة التي جاء ذكرها في المقال: مخطوطة جامعة توبنجين، مخطوطة مكتبة برلين الحكومية، ومخطوطة جامعة ليدن، فأقول:

أولاً:  مخطوطة جامعة توبنجين (Ma VI 165): خلص التحليل الكربوني المشع C14 الذي أجري على ثلاث عينات من رق المخطوطة إلى أنه من المرجح بنسبة 95% أن تكون قد نشأت في الفترة 649م-675م، 20-40 سنة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه النتيجة المبكرة فاجأت الخبراء حيث كان يُعتقد أنها تعود للقرن الثامن أو التاسع الميلادي.

ثانياً: مخطوطة مكتبة برلين الحكومية (Ms. Or. Fol. 4313): خلص التحليل الكربوني المشع إلى أن المخطوطة مكتوبة في الفترة ما بين عامي 606 إلى 652 ميلادي، أي بعد حوالي عشرين عاماً من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقصى تقدير. وهذا التحليل الكربوني الحديث يؤيد ما ذهب إليه كلاً من أدولف جروهمان وفرانسوا ديروش من إرجاع هذه المخطوطة إلى القرن الأول الهجري، على عكس مورتيز الذي أرجعها إلى القرن الثالث الهجري. وتجدر الملاحظة هنا أن الفحص الكربوني أجري على عينات من أوراق المخطوطة التي في مكتبة برلين الحكومية فقط، ذلك أن دار الكتب المصرية تحتفظ بـ 29 فوليو من نفس المخطوطة تُعرف بالرقم العلمي (Ms. Qāf 47).

ثالثاً: مخطوطة جامعة ليدن (Or. 14.545b-c): خلص التحليل الكربوني المشع إلى أن المخطوطة مكتوبة في الفترة ما بين عامي 650 و 713 ميلادي، 30-70 عاماً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان الخبراء – سابقاً – يعتقدون أنها مكتوبة في الفترة ما بين عامي 770 و 830 ميلادي، فهي بذلك أقدم بمائة عام مما كان متوقعاً.

ووفقاً للدكتور Arnoud Vrolijk – أمين المخطوطات الشرقية في جامعة ليدن – فإنه ليس من الممكن تحديد تواريخ أكثر دقة من الفحص الكربوني المشع، وهذا صحيح لأن المخطوطات المبكرة لا تحتوي على على بيانات النسخ أو Colophon بحيث يمكننا من خلالها معرفة تاريخ النسخة على وجه الدقة. لكن على العكس مما يظنه كثير من الناس، فإن الفحص الكربوني المشع لا يعطي نتيجة دقيقة (exact result) حيث هناك دائماً نسبة خطأ – تزيد أو تنقص – كما مر معنا في المخطوطات الثلاثة أعلاه.


الهوامش:

[1] راجع: أحمد وسام شاكر، تعليقات على تحقيق وسام قبلان لمخطوطة جامعة توبنجين، مركز نماء للبحوث والدراسات، ينايبر 2015. أقدم مخطوطة قرآنية في برلين تعود إلى منتصف القرن الأول الهجري، مدونة الدراسات القرآنية، أبريل 2015.

[2] Library.leiden.edu,. 2015. ‘Oldest Quran Fragments In Leiden – Special Collections – Libraries’. http://www.library.leiden.edu/special-collections/special/ancient-quran-fragments.html. Research.leiden.edu,. 2015. ‘Leiden’S Oldest Koran Fragments More Than A Century Older Than Previously Believed – News – Research’. http://www.research.leiden.edu/news/oldest-koran-fragments.html.

[3]  Islamic-awareness.org,. 2015. ‘Arabe 331 – A Qur’anic Manuscript From 1St Century Hijra At The Bibliothèque Nationale, Paris’. http://www.islamic-awareness.org/Quran/Text/Mss/arabe331.html.

[4]  تم الاعتماد في وصف مخطوطة جامعة ليدن على كورس البروفيسور جان جاست ويتكام بعنوان “Qur’an in higazi-like script” المنشور على موقع المخطوطات الإسلامية: www.islamicmanuscripts.info