النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي “إعادة قراءة”

في 9 ديسمبر 2015، كتبتُ مقالاً على موقع (ساسة بوست) عنوانه «حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي» [رابط المقال]، وقد كان مبثابة تعليق مني على خبر بثته الصُحُف عن إهداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنسخة خطيَّة قديمة من القرآن الكريم إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي؛ على خلفية اجتماع قمة منتدى الدول المصدرة للغاز في طهران.

وقتها، لم تذكر الصُحُف الكثير عن هذه النسخة سوى أنها «أقدم» مخطوطة قرآنية في روسيا، بالإضافة إلى كونها نُسخةً طبق الأصل (replica). لذا، واعتماداً على الصور الرقمية المنشورة لخامنئي وهو يطالع النسخة، استطعت قراءة الآيات المكتوبة على الورقة (من سورة النساء: 25-36). ثم، وباستخدام خاصية عرض المخطوطات القرآنية التي يقدمها موقع «كوربوس كورانيكوم» الألماني، رجّحت أن تكون النسخة هي القطعة المحفوظة في المكتبة الوطنية الروسية برقم «Marcel 17». وعلى أساس ذلك كله، شَرَعتُ تدريجياً في الحديث عن تاريخ هذه القطعة وكيف أنها ترجع في الأصل إلى جامع عمرو بن العاص في الفُسطاط، ومنه تحصل عليها المستشرق يوحنا يوسف مارسيل (1776 – 1854) إبَّان الحملة الفرنسية على مصر. وبعد وفاة مارسيل، قامت وريثتة السيدة «ديسنوير» عام 1864ببيع هذه القطعة مع قطع أخرى إلى المكتبة الوطنية الروسية (المكتبة الإمبراطورية العامة آنذاك).

لكن، وبعد نشر المقال، نبهني الأستاذ مرتضى كريمي نيا إلى عدم وجود صلة بين هذه النسخة والمصاحف العتيقة من مجموعة مارسيل، فلم تكن هذه النسخة – في الواقع – إلا المخطوطة القرآنية الشهيرة التي نشرها يفيم رضوان كنسخة طبق الأصل عام 2004، بعنوان: «مصحف عثمان: كاتا-لانجار، سانت بطرسبيرغ، بُخارى، طشقند». وبمقارنة الورقة التي تتضمن نفس الآيات من نسخة رضوان مع نسخة خامنئي، ثَبُتَ التطابق بين الإثنين (انظر الصور في الصفحة التالية). وأضاف كريمي أن نسخة رضوان تباع عادة بمبلغ وقدره (100) دولار، مع ملاحظة أن النسخة التي اهداها بوتين إلى خامنئي هي نسخة فخمة، ملونة، تقدم عادة لرؤساء الدول والشخصيات الإسلامية البارزة.   

يتضح من هذا خطأ التحليل الذي قدمته في المقال المذكور آنفاً، لذا اقتضى التنويه.

وختاماً، أقدم خالص شكري لمرتضى كريمي نيا، وللأستاذ سيد محمد نقوي على الصور التي تفضل بإرسالها لي.

أحمد شاكر

 6 مايو 2017

المستعرب الإيطالي «سرجو نوزاده»: محقق المصاحف الحجازية

Sergio Noja Noseda

«السرنديبية» كلمةٌ صاغها السياسي والأديب الإنجليزي هوراس وولبول في خطاب وجَّهه إلى صديقه السير هوراس مان عام 1757م في الخطاب، يبدي وولبول إعجابه بقصة خيالية قرأها عن مغامرات «أمراء سرندیب الثلاثة» الذين «كانوا يكتشفون، بالمصادفة والفطنة، أشياءَ لم يكونوا يسعَونَ وراء اكتشافها». وهكذا، شيئًا فشيئًا، صارت الكلمة تستخدم في السياق الغربي للتعبير عن دور المصادفة أو المفاجأة السَّارة في اكتشاف أشياء ذات بال، أو بالتعريف القاموسي الحالي: «القدرة على اكتشاف أشياءَ مهمة وغير متوقَّعَة على نحو عَرَضي».

لقد علمتُ بأمر هذه الكلمة حديثًا عندما أجريت حوارًا مع الدكتورة ألبا فيديلي، وعند سؤالها: «كيف بدأ اهتمامك بالمخطوطات القرآنية؟» ذكرت أنه وإضافة إلى شغفها بالمخطوطات منذ طفولتها، كانت السرنديبية عاملًا مؤثرًا في اختيار تخصصها، إذ قابلت بطريق المصادفة مُعلمها الراحل سرجو نويا نوزاده، وهو من وضعها على طريق دراسة المخطوطات القرآنية المبكرة وأشركها في مشاريعه، دونما تخطيط مُسبق منها. وبالمِثل، يُمكن أن نَعزي للسرنديبية دورًا في توجه نويا نفسه، فقد كان في شبابه مأسورًا بكتاب المستشرق الإيطالي جورجيو ليفي دلافيدا (1886–1967)، قاضيًا الساعات الطِّوال في تقليب أوراقه التي يَصِفُ فيها عددًا من القطع القرآنية «الكوفية» المحفوظة في مكتبة الفاتيكان.

يهدف هذا المقال إلى تعريف القارئ بمستعرب إيطالي له اهتمام بالتشريع الإسلامي، اللغة العربية وآدابها، والحضارة العربية والإسلامية، وفوق كل ذلك؛ يُعَد أحد أبرز المساهمين في إحياء دراسات المخطوطات القرآنية المبكرة في أواخر القرن الماضي.

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع إضاءات 

المحقق طيار آلتي قولاج: قصة تركي عاشق للمصاحف القديمة

resized_efcc9-183da75cfotoraf
Tayyar Altıkulaç

منذ انطلاق الألفية الثالثة ومركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) يكثف من جهوده في تصوير وإصدار المصاحف القديمة، المكتوب بالخطين الحجازي والكوفي، كنُسَخ فوتوغرافية مطابقة للأصل بعناية وتحقيق الدكتور طيار آلتي قولاج. ونظرًا للأهمية العلمية لهذه الأعمال في حقلي الدراسات القرآنية والباليوغرافيا العربية، فقد رأيت أن أخصص هذا المقال للتعريف بهذا الباحث التركي وتحقيقاته. ومما شجعني على الكتابة أيضًا جملة من الأسباب الشخصية؛ ذلك أني أول ما قرأت في موضوع المصاحف المبكرة دراسته لمصحف طوب قابي سراي المنسوب إلى عثمان بن عفان وكانت استفادتي منها عظيمة للغاية؛ مهدت لي الطريق بعد ذلك للتعمق في هذا التخصص النادر. جديرٌ بالذكر هنا أن الدكتور خالد إرن مدير عام إرسيكا والدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي، يساهمان بشكل فاعل في دعم وإخراج مثل هذه الأعمال الكوديكولوجية التي تعبر عن تاريخ الحضارة الإسلامية وكتابها المقدس.

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع إضاءات

حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي

C8F89E31-A54C-4C6D-83E4-A88007362D10_mw1024_s_n

حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنائي([1])
أحمد وسام شاكر

في 23 نوفمبر 2015، نشرت الصحف خبرًا عن إهداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نسخة خطية للقرآن الكريم، وصفت بأنها “أقدم” نسخة في روسيا إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في اجتماع خاص عقد بينهما، قبيل انطلاق قمة الدول المصدرة للغاز في طهران. وبعيدًا عن التحليلات السياسية التي تحاول تقصي أسباب هذا الإهداء وانعاكساته على العلاقات الإيرانية الروسية، فإني أود في هذا المقال أن أعرف القراء بحقيقة هذه النسخة القرآنية وأصولها التاريخية، خصوصًا بعد قراءتي لبعض المقالات التي اخطأت في تحديد النسخة وخلطتها بنسخة قرآنية أخرى تُنسَب إلى الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه في معهد الاستشراق بسانت بطرسبورغ برقم (E-20)، والتي تحدث عنها المستعرب الروسي يفيم رضوان في أحد أفلامه الوثائقية. وعلى كل حال فإن نسختنا ليست بعيدة عن مدينة سانت بطرسبورغ بل هي من هناك فعلًا لكن في مكان بعيد نسبيًا عن معهد الاستشراق.

أقول بدايةً إن النسخة القرآنية التي أهديت إلى خامنئي هي عبارة عن نسخة طبق الأصل (فاكسميلي) وهذا النوع من النسخ يكون مطابقًا في حجمه للنسخة الأصلية المكتوبة على الرق أو غيره من مواد الكتابة، أما الأصل  نفسه فما زال في روسيا ولم يخرج منها قطعًا. وإهداء نسخ من هذا النوع لرؤساء الدول والرموز الدينية أمر شائع للغاية وبالأخص من دولة كروسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقًا. فقد أهُديت نسخة طبق الأصل من مصحف سمرقند (طشقند) المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر في منتصف ستينيات القرن الماضي فأودعه دار الكتب المصرية ولا يزال موجودًا إلى اليوم. ومثله أيضًا الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الذي أهدته روسيا عام 2009 نسخة قرآنية مذهبة تقديرًا لجهوده في دعم الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات، وغيرهم كثير.

والذي تبين لي بعد التدقيق في الصورة المنشورة لخامنئي وهو يطالع النسخة المهداة إليه أن الأوراق تعود إلى مخطوطة قرآنية مكتوبة بالخط الحجازي أو المائل –وهو أقدم أشكال الخط العربي المعروفة- تحتفظ بها اليوم المكتبة الوطنية الروسية بسانت بطرسبورغ تحت رقم (Marcel 17) وهي عبارة عن 17 ورقة تحصلت عليها المكتبة من وريثة المستعرب الفرنسي مارسيل – واسمها ديسنوير Desnoyer – عام 1864م ضمن مخطوطات قرآنية أخرى، ومارسيل هذا هو الذي استحوذ عليها – أو سرقها بمعنى أدق – واسمه الكامل جان جوزيف مارسيل (1776-1854).

كان مارسيل مرافقًا لنابليون بونابرت في حملته العسكرية الشهيرة على مصر، حيث كُلِّف بإدارة المطابع وطباعة الصحف للفرنسيين والمنشورات للمصريين وعمل أيضًا على إتقان العربية وتتبع الآثار القديمة، وفي تتبعه لهذه الأثار قام بزيارة لجامع عمرو بن العاص([1]) في الفسطاط بمصر القديمة وتحصل منه على هذه المخطوطات القرآنية التي باعتها وريثته – كما مر معنا – ومنها مخطوطة مارسيل 17، والمثير أني وفي أثناء عملي على ترجمة أحد المقالات التي تتكلم عن المخطوطات القرآنية في مجموعة هذا المستعرب في المكتبة الوطنية الروسية[2] عثرت على وقفية (لوحة رقم : 1) تعود على الأرجح لجامع عمرو لم يكن تفريغ نصها منشورًا في المقال فعملت جاهدًا على وضع قراءة لها فكانت:

(في سبيل الله رجاء ثواب الله وجزيل عطائه لا يحل لأحد من المسلمين أن يغيره ولا يبدله عن ما هو عليه ولا يباع ولا يورث رحم الله من قرأ فيه).

waqf
لوحة رقم (1): مقتطف من نقش الوقف (الوقف الخيري)، يعود على الأغلب لجامع عمرو بن العاص في القاهرة القديمة، كتبه موسى بن بغا الكبير (توفي 877م). القرن 9. رق. 19 * 29 سم. خط كوفي (نمط D.I). إطار مزخرف. (مارسيل 110، ورقة 2/ظ)

هذا يدلنا على أن المخطوطات القرآنية التي تتباهى بها المكتبة الوطنية الروسية موقوفة على الجامع، ولا يمكن شراؤها إلا بشراء ذمم المستأمنين عليها، وفي هذا السياق تقول بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن (1913-1998) «أن ذخائر المخطوطات في مصر بعضها كان مودعًا في المساجد والزوايا بضاعةً رخيصة لا تساوي وزنها ورقًا عند خدُّام المساجد الموكول إليهم أمرها، وقد حدَّث شاهد عيان من أساتذتنا أنه رأى بعينيه خادم مسجد المؤيد يملأ السلال بنفائس المخطوطات ويبيعها لمن يطلبها بثمن بخس!».

ومخطوطة مارسيل 17 (17 ورقة) ومنجانا 1572ب (7 أوراق) ومخطوطة متحف الفن الإسلامي في الدوحة برقم 67 (4 أوراق) = 28 ورقة، كلها تعود إلى مصحف واحد أصله الجامع العتيق أو جامع عمرو بن العاص في الفسطاط. والذي نعرفه حاليًا أن مخطوطة منجانا 1572ب اشتراها القس الكلداني ألفونس منجانا من تاجر أوربي عام 1936 بمبلغ وقدره 11 باوند. ويذكر أستاذ الكوديكولوجيا الشهير فرانسوا ديروش أن مخطوطة مارسيل 17 هي عمل جماعي شارك فيه ثلاثة نساخ.


([1]) مقال منشور على موقع «ساسة بوست» بتاريخ 9 ديسمبر 2015.

([2]) وهذا الجامع أقبل عليه عددٌ من المستشرقين قديماً كالرحالة الألماني أولريش زيتسن (1767 – 1811) وأخذ بعضهم منه ما الله به عليم من المخطوطات الموقوفة على الجامع كمعتمد القنصلية الفرنسية – آنذاك – أسلان دو شرفيل (1772-1822) وعنه بيعت للمكتبة الوطنية الفرنسية عام 1833م ومن أشهرها مخطوطة حجازية برقم Arabe 328، وهذه الأوراق العمرية (نسبة إلى جامع عمرو) متناثرة اليوم في بلاد عديدة كروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وغيرها. والله المستعان!

([2]) للمزيد عن «مجموعة مارسيل» في المكتبة الوطنية الروسية انظر مقال بعنوان: المصاحف المبكرة من مجموعة جان جوزيف مارسيل، وقد ورد في هذا المقال خبر عن إطلاق مشروع لتصوير هذه المخطوطات ونشرها بالتعاون مع مؤسسة ماكس فان بيرشم، فلعل النسخة التي أهديت لخامنئي هي واحدة من هذه الإصدارات، والله أعلم.