مخطوطات القرآن والفيلولوجيا الرقمية: حوار مع الدكتورة البا فيديلي

ckhdahwweaenddf
Dr. Alba Fedeli

اضغط هنا لقراءة الحوار كاملاً على موقع مركز نماء للبحوث والدراسات 

Advertisements

حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنئي

C8F89E31-A54C-4C6D-83E4-A88007362D10_mw1024_s_n

حقيقة النسخة القرآنية التي أُهديت إلى خامنائي([1])
أحمد وسام شاكر

في 23 نوفمبر 2015، نشرت الصحف خبرًا عن إهداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نسخة خطية للقرآن الكريم، وصفت بأنها “أقدم” نسخة في روسيا إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في اجتماع خاص عقد بينهما، قبيل انطلاق قمة الدول المصدرة للغاز في طهران. وبعيدًا عن التحليلات السياسية التي تحاول تقصي أسباب هذا الإهداء وانعاكساته على العلاقات الإيرانية الروسية، فإني أود في هذا المقال أن أعرف القراء بحقيقة هذه النسخة القرآنية وأصولها التاريخية، خصوصًا بعد قراءتي لبعض المقالات التي اخطأت في تحديد النسخة وخلطتها بنسخة قرآنية أخرى تُنسَب إلى الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه في معهد الاستشراق بسانت بطرسبورغ برقم (E-20)، والتي تحدث عنها المستعرب الروسي يفيم رضوان في أحد أفلامه الوثائقية. وعلى كل حال فإن نسختنا ليست بعيدة عن مدينة سانت بطرسبورغ بل هي من هناك فعلًا لكن في مكان بعيد نسبيًا عن معهد الاستشراق.

أقول بدايةً إن النسخة القرآنية التي أهديت إلى خامنئي هي عبارة عن نسخة طبق الأصل (فاكسميلي) وهذا النوع من النسخ يكون مطابقًا في حجمه للنسخة الأصلية المكتوبة على الرق أو غيره من مواد الكتابة، أما الأصل  نفسه فما زال في روسيا ولم يخرج منها قطعًا. وإهداء نسخ من هذا النوع لرؤساء الدول والرموز الدينية أمر شائع للغاية وبالأخص من دولة كروسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقًا. فقد أهُديت نسخة طبق الأصل من مصحف سمرقند (طشقند) المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر في منتصف ستينيات القرن الماضي فأودعه دار الكتب المصرية ولا يزال موجودًا إلى اليوم. ومثله أيضًا الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الذي أهدته روسيا عام 2009 نسخة قرآنية مذهبة تقديرًا لجهوده في دعم الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات، وغيرهم كثير.

والذي تبين لي بعد التدقيق في الصورة المنشورة لخامنئي وهو يطالع النسخة المهداة إليه أن الأوراق تعود إلى مخطوطة قرآنية مكتوبة بالخط الحجازي أو المائل –وهو أقدم أشكال الخط العربي المعروفة- تحتفظ بها اليوم المكتبة الوطنية الروسية بسانت بطرسبورغ تحت رقم (Marcel 17) وهي عبارة عن 17 ورقة تحصلت عليها المكتبة من وريثة المستعرب الفرنسي مارسيل – واسمها ديسنوير Desnoyer – عام 1864م ضمن مخطوطات قرآنية أخرى، ومارسيل هذا هو الذي استحوذ عليها – أو سرقها بمعنى أدق – واسمه الكامل جان جوزيف مارسيل (1776-1854).

كان مارسيل مرافقًا لنابليون بونابرت في حملته العسكرية الشهيرة على مصر، حيث كُلِّف بإدارة المطابع وطباعة الصحف للفرنسيين والمنشورات للمصريين وعمل أيضًا على إتقان العربية وتتبع الآثار القديمة، وفي تتبعه لهذه الأثار قام بزيارة لجامع عمرو بن العاص([1]) في الفسطاط بمصر القديمة وتحصل منه على هذه المخطوطات القرآنية التي باعتها وريثته – كما مر معنا – ومنها مخطوطة مارسيل 17، والمثير أني وفي أثناء عملي على ترجمة أحد المقالات التي تتكلم عن المخطوطات القرآنية في مجموعة هذا المستعرب في المكتبة الوطنية الروسية[2] عثرت على وقفية (لوحة رقم : 1) تعود على الأرجح لجامع عمرو لم يكن تفريغ نصها منشورًا في المقال فعملت جاهدًا على وضع قراءة لها فكانت:

(في سبيل الله رجاء ثواب الله وجزيل عطائه لا يحل لأحد من المسلمين أن يغيره ولا يبدله عن ما هو عليه ولا يباع ولا يورث رحم الله من قرأ فيه).

waqf
لوحة رقم (1): مقتطف من نقش الوقف (الوقف الخيري)، يعود على الأغلب لجامع عمرو بن العاص في القاهرة القديمة، كتبه موسى بن بغا الكبير (توفي 877م). القرن 9. رق. 19 * 29 سم. خط كوفي (نمط D.I). إطار مزخرف. (مارسيل 110، ورقة 2/ظ)

هذا يدلنا على أن المخطوطات القرآنية التي تتباهى بها المكتبة الوطنية الروسية موقوفة على الجامع، ولا يمكن شراؤها إلا بشراء ذمم المستأمنين عليها، وفي هذا السياق تقول بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن (1913-1998) «أن ذخائر المخطوطات في مصر بعضها كان مودعًا في المساجد والزوايا بضاعةً رخيصة لا تساوي وزنها ورقًا عند خدُّام المساجد الموكول إليهم أمرها، وقد حدَّث شاهد عيان من أساتذتنا أنه رأى بعينيه خادم مسجد المؤيد يملأ السلال بنفائس المخطوطات ويبيعها لمن يطلبها بثمن بخس!».

ومخطوطة مارسيل 17 (17 ورقة) ومنجانا 1572ب (7 أوراق) ومخطوطة متحف الفن الإسلامي في الدوحة برقم 67 (4 أوراق) = 28 ورقة، كلها تعود إلى مصحف واحد أصله الجامع العتيق أو جامع عمرو بن العاص في الفسطاط. والذي نعرفه حاليًا أن مخطوطة منجانا 1572ب اشتراها القس الكلداني ألفونس منجانا من تاجر أوربي عام 1936 بمبلغ وقدره 11 باوند. ويذكر أستاذ الكوديكولوجيا الشهير فرانسوا ديروش أن مخطوطة مارسيل 17 هي عمل جماعي شارك فيه ثلاثة نساخ.


([1]) مقال منشور على موقع «ساسة بوست» بتاريخ 9 ديسمبر 2015.

([2]) وهذا الجامع أقبل عليه عددٌ من المستشرقين قديماً كالرحالة الألماني أولريش زيتسن (1767 – 1811) وأخذ بعضهم منه ما الله به عليم من المخطوطات الموقوفة على الجامع كمعتمد القنصلية الفرنسية – آنذاك – أسلان دو شرفيل (1772-1822) وعنه بيعت للمكتبة الوطنية الفرنسية عام 1833م ومن أشهرها مخطوطة حجازية برقم Arabe 328، وهذه الأوراق العمرية (نسبة إلى جامع عمرو) متناثرة اليوم في بلاد عديدة كروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وغيرها. والله المستعان!

([2]) للمزيد عن «مجموعة مارسيل» في المكتبة الوطنية الروسية انظر مقال بعنوان: المصاحف المبكرة من مجموعة جان جوزيف مارسيل، وقد ورد في هذا المقال خبر عن إطلاق مشروع لتصوير هذه المخطوطات ونشرها بالتعاون مع مؤسسة ماكس فان بيرشم، فلعل النسخة التي أهديت لخامنئي هي واحدة من هذه الإصدارات، والله أعلم.

لقاء مع أ. د. بشير الحميري وحوار حول مشروعه (معجم الرسم العثماني)

لقاء مع أ. د. بشير الحميري وحوار حول مشروعه (معجم الرسم العثماني)

لقاء مع أ. د. بشير الحميري وحوار حول مشروعه (معجم الرسم العثماني) [1]

حاوره: أحمد وسام شاكر 

من هو الأستاذ الدكتور بشير الحميري؟ نبذة مختصرة عن حياتك العلمية.

الاسم: بشير بن حسن بن علي الحميري من مواليد: 1970م.

نشأت في مدينة الرياض ودرست الابتدائية والثانوية في مدارس تحفيظ القرآن الكريم، وكنت أحضر دروس بعض المشايخ محاضرات أو دروس متصلة، ثم أكملت في جامعة العلوم والتكنولوجيا في اليمن فدرست تخصص دراسات إسلامية، ثم التحقتُ فيها ببرنامج الماجستير (مواد+بحث تكميلي) كان التخصص هو: الدراسات القرآنية، التخصص الدقيق: (عد الآي)، ثم أخذت الدكتواره من ماليزيا جامعة: (MU) في الدراسات القرآنية التخصص الدقيق: (رسم المصحف).

حُبِّب إليَّ الأدب والشعر مع ما كنت فيه من النشأة القرآنية، ثم لما اشتركت مع الشيخين: محمد جمعان وخالد ناجي مع لجنة في إنشاء مركز الإمام الشاطبي لتلقي القراءات، درستُ فيه إلى جانب الإقراء مادتي (رسم المصاحف)، و(عد آي القرآن الكريم) لأكثر من 12 سنة، وتوثقت علاقتي بهذين العلمين كثيراً، من خلال القراءة لكثير من مخطوطات هذين العلمين، مما استطعت الحصول عليه.

وكانت الصعوبات ندرة من يتفنن في تدريس هذين العلمين، فكنت أسأل ولا أجد إجابة ممن يقومون بتدريس هذين العلمين، فاتجهتُ إلى الإكثار من القراءة والمطالعة لكتب الأقدمين، حتى جمعت قدراً لا بأس به في هذين العلمين.

لو تُحَدِّثنا عن بداية هذا المشروع.. كيف بدأت فكرة تأليف معجم الرسم العثماني؟

بدأت الفكرة حين كنت أدرس الخطوط القديمة عند أ.د. غسان حمدون، وحين أردت منه إجازة في هذا التخصص طلب بحثا كخاتمة لهذه الدراسة، فكتبتُ بحثاً عن (لوحة لدراسة صفحة من رَق) يعود للقرن الأول، نشر في مجلة الدرعية العدد: 22 السنة: 6 تاريخ: 9- 1424هـ الموافق: 11/2003م.

وحين بدأت بدراسة تلك اللوحة احتجت إلى تخريج الكلمات القرآنية المختلفة الرسم من كتب رسم المصاحف أعياني تخريج هذه الكلمات، وأنا لم أبحث إلا في مرجعين أو ثلاثة مراجع فقط، لأني كنت أحتاج إلى أن أمر على الكتاب جميعاً لكي أجد الكلمة، إن وجدت فيه.

وكتب الرسم مؤلفة على طريقتين: الأولى على حسب الأبواب والفصول والبحث في مثل هذا النوع صعب جداً، والطريقة الثانية: التأليف بحسب ترتيب السور، وهذا أولا يحتاج إلى حافظ لمعرفة مكان ورود الكلمة التي نبحث عنها، وقد لا تُذكر في سورتها بل تُذكر في أماكن مشابهة لها، وإذا تكررت الكلمة، فقد يأتي الكلام عنها متأخراً وليس في أول موضع لها، ففيه مشقة أيضاً، مع قلة الكتب المؤلفة بهذا النوع.

كل هذا التعب في البحث عن تخريج كلمة معينة من كتب الرسم دعاني للتفكير في طريقة يستطيع الباحث الوصول إلى الكلمة التي يبحث عنها بسهولة، فرأيت أن أحسن طريقة هي التأليف المعجمي، بأن يكون مثل معاجم اللغة.

فبدأت بتخريج كلمات المصحف وردها إلى جذورها، وقطعت فيه مرحلة أكثر من ثلث القرآن، معتمداً طبعة الملك فهد، ثم رأيت أن لا فائدة من ذلك؛ لأني أريد الكلمات في كتب الرسم، وليس في المصاحف المطبوعة، فرجعت إلى كتب الرسم، وقلت أفهرس كل كتاب وحده، فبدأت بكتاب (دليل الحيران) للمارغني في شرح مورد الظمآن للخراز، ففهرسته كاملا.

ثم لما أنهيت فهرسته علمت مقدار المشقة والتعب في أن يفهرس كل كتاب وحده، فتركت العمل قليلا أفكر في طريقة أخرى للجمع، حتى طبع كتاب (مختصر التبين) لأبي داوود سليمان بن نجاح، فاهتديت أن أجمع كلام الإمام أبي داوود على كل كلمة في جذرها، حتى أكملت إدخاله كاملا برغبة وشغف، ثم رأيت أن أدخل كتاب المقنع لشيخه أبي عمرو الداني، فأدخلته، ثم فكرت في إدخال كتب أخرى، وهكذا أدخلت كتاباً بعد كتاب حتى بلغت الكتب التي أدخلتها في المعجم (15) كتاباً مطبوعاً، كنت أرجع في بعضها إلى مخطوطات هذا الكتاب، فاستفدت كثيراً في تصحيح الكتب المطبوعة.

ثم رأيت أهمية المصاحف القديمة وأن أدخلها في المعجم، فأدخلت خمسة مصاحف قديمة، وهذه المصاحف لا يوجد فيها مصحف مكتمل، وهذا في جميع المصاحف القديمة، فلا يوجد مصحف كامل أبداً، بل لابد من نقص إما بفعل القدم والتآكل والرطوبة والأرضة، أو بفعل السطو والاستيلاء على بعض تلك الأوراق، المهم أني أدخلت (5) مصاحف مخطوطة قديمة في المعجم.

ثم رتبت الكلام في الكلمة الواحدة بحسب وفيات المؤلفين، وجعلت المصاحف القديمة في آخر الكلمة.

كم استغرق العمل على هذا المعجم وما هي المعوقات التي واجهتك في إنجاز هذا العمل الضخم؟

بدأت العمل تحديدا في هذا المعجم: قبل منتصف الليل من يوم الأربعاء: 17- رمضان- 1424هـ، ا1424هـ، الموافق: 12- نوفمبر- 2003م، ولا زلت أعمل فيه حتى كتابة هذه السطور، فلازلت أرغب في إدخال كثير من كتب الرسم التي لم أدخلها إلى جانب بعض المصاحف المخطوطة أيضا، فهو عمل مستمر.

قد يقول قائل ألا تقتضي طبيعة هذه المشاريع الضخمة أن يشترك فيها مجموعة من الباحثين بحيث تختصر الوقت والجهد فكيف ترد على ذلك؟

هذا كلام صحيح، ولكن كانت رغبتي وشغفي محرضان على تحمل كل الأعباء المادية والمعنوية، فلم أكتبه بإحساس الباحث الذي كلِّف بعمل معين، بل كنت أكتبه بالحب الذي أكنه لهذا العلم، فلا تكاد توجد ساعة من ليل أو نهار لم أكتب فيها كلمة أو جملة، أو مراجعة لما كتبت.

والأعمال الكبيرة تحتاج إلى جهود متكاتفة، ولكن إذا خلت الساحة ممن له مثل هذه الرغبة فماذا أفعل؟ هل أسكت وألقي القلم فلا أكتب شيئا؟، بل رأيت أن الإقدام أولى من الإحجام، وأن خوض غمار هذا العمل المتعب مع كل ما في جوانحي من محبة له أولى من سكوتي، فكتبت وواصلت وكنت مقتنعاً بالفائدة لمثل هذا العمل، وأنه سيكون مفيداً لكل باحث في علم الرسم العثماني.

ما هي الكتب والمخطوطات والمصاحف التي اعتمدت عليها في معجم الرسم العثماني؟

أما الكتب المطبوعة التي اعتمدتها في المعجم فهي:

(معاني القرآن) ليحيى بن زكريا الفراء (ت: 207هـ).

(فضائل القرآن ومعالمه وآدابه) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: 224هـ).

(المصاحف) لأبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: 316هـ، رجعت لثلاث طبعات منه).

(مرسوم الخط) لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (328هـ، رجعت لطبعتين).

(إيضاح الوقف والابتداء) لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت: 328هـ).

(البديع في رسم مصاحف عثمان) لأبي عبدالله محمد بن يوسف الجهني (ت: 442هـ رجعت فيه لثلاث طبعات ومخطوطة قديمة، لم يطلع عليها أحد المحققين).

(هجاء مصاحف الأمصار) لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت: 430هـ).

(المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (444هـ، رجعت فيه لطبعة الشيخ دهمان، وإلى تحقيقي على الكتاب).

(المحكم في نقط المصاحف) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت: 444هـ).

(الإيضاح في القراءات العشر) لأبي عبدالله أحمد بن أبي عمر الأندرابي (ت: 471هـ).

(مختصر التبيين لهجاء التنزيل) لأبي داوود سليمان بن نجاح (ت: 496هـ).

(عقيلة أتراب القصائد) لأبي محمد القاسم بن فيرة الشاطبي (ت590هـ، رجعت فيه لعدة طبعات ومخطوطات).

(الوسيلة إلى كشف العقيلة) لأبي الحسن علي بن محمد السخاوي (ت: 643هـ).

(مورد الظمآن) منظومة في رسم المصحف لمحمد بن محمد الخراز (ت: 718هـ، رجعت فيه لمطبوعتين –إحداهما التي عليها شرح المارغني- ومخطوطة).

(دليل الحيران شرح مورد الظمآن) لإبراهيم بن أحمد المارغني (ت: 1349هـ).

وأما المصاحف المخطوطة التي اعتمدتها فهي خمسة مصاحف، وأكبر استفادتي مما طبع منها هو الصور الأصلية التي كانت توضع للمصحف المخطوط، فهي التي كنت أعمل عليها وأرجع إليها حال التفريغ لكلمات أي مصحف في هذا المعجم، وقادني ذلك إلى الاستدراك على بعض تلك الطبعات بما سجلته في مقدمات هذا المعجم:

  • مصحف صنعاء، نشر بعنوان: (المصحف الشريف المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، نسخة صنعاء)، تحقيق: أ. د. طيار آلتي قولاج، 1432هـ، 2011م، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، استانبول، تركيا.
  • المصحف الحسيني، هو اختصار لاسم المصحف المحفوظ في المشهد الحسيني بالقاهرة، وكان موجوداً قبل ذلك في جامع (عمرو بن العاص)، ثم انتقل إلى المدرسة الفاضلية، وهو الآن محفوظ في (المكتبة المركزية للمخطوطات الإسلامية) التابعة لوزارة الأوقاف، في القاهرة، وقد أخذت نسخة مصورة عن المخطوط من موقع (أهل التفسير)، ورجعت فيه إلى النسخة المخطوطة.
  • مصحف الرياض، وهو مصحف محفوظ في مكتبة فهد الوطنية، حصلت على نسخة مصورة بالألوان للمصحف من المكتبة، ورجعت فيه إلى نسخته المخطوطة.
  • مصحف طوب قابي، نشر هذا المصحف بعنوان: (المصحف الشريف، المنسوب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، نسخة متحف طوب قابي سراي)، تـحقيق: د. آلتي طيار قولاج، الطبعة الأولى، 1428هـ 2007، منظمة المؤتمر الإسلامي، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باستامبول، مطبعة نمونمة، استامبول، تركيا.
  • مصحف مكتبة باريس، وهو مصحف محفوظ في المكتبة الوطنية بباريس برقم: (5122)، وقد رجعت إلى صورة ملونة من النسخة المحفوظة في المكتب، هو مصحف شبه كامل محفوظ في مكتبة باريس برقم (5122)، مجموع أوراقة: (299) ورقة، مكتوبة على الوجهين، عدا الورقة الأولى والأخيرة، فوجه الأولى وظهر الأخيرة: فارغتان، وعليهما ختم المكتبة، ورجعت فيه إلى نسخته المخطوطة.

وهذا الأخير قمت بدراسته دراسة موسعة وتحقيقه وإخراجه لصالح جامعة الملك سعود، ولعله يطبع قريباً.

ذكرت في محاضرتك بمركز تفسير للدراسات القرآنية أنك لم تُدخِل بعض كتب الرسم وذلك بسبب عدم توفرها لديك أو لعدم اطمئنانك للتحقيق، فهل هذا يعني أنك تخطط مستقبلاً لتحديث المعجم وإصدار طبعة أخرى بحيث تشمل هذه الكتب؟

نعم، فقد ذكرت أن المعجم عمل متواصل، لم أصل إلى نهايته، بل وطلبت من كل من حقق كتاباً في الرسم سواءً طبع أو لم يطبع، أن يرسل لي بنسخة ورقية منه، وسوف أذكر مصدر كتابي أنه منه، بشرط أن يكون من تأليفه أو تحقيقه، وأنا أرجو من كل الباحثين في الرسائل الجامعية أن يسعفوني بنسخ من أعمالهم، وخاصة في كتب الرسم المحققة، ولهم كامل شكري مقدماً.

وكذا من يملك نسخاً واضحة لمصاحف قديمة، وخاصة من مكتبات المغرب العربي بأن يعطيني نسخة أفرغها في المعجم خدمة لكتاب الله مع شكري له في ذلك، وعندي صور لكثير من المصاحف المخطوطة في بعض الدول الأوربية، فمن عنده مصحف قديم يظن بأنه يستحق أن يدخل في المعجم أن يراسلني بهذا المصحف؛ فإن كان عندي ذكرته وذكرت أن عندي منه نسخة سابقة، وإن لم فأذكر أنه مصدري الوحيد له.

لو تشرح لنا بمثال عملي .. كيف يمكن للقارئ أن يستخدم المعجم للوصول إلى كلمة قرآنية معينة وماهي البيانات التي سوف يجدها لهذه الكلمة؟

مثلا لو أن الباحث أراد أن يعرف حكم رسم كلمة (جزاء) المواضع التي زيدت في الواو من غيرها، فإنه يرد هذه الكلمة إلى جذرها اللغوي، فيكون جذرها هو: (جزي)، فيذهب إلى حرف (الجيم)، ثم يذهب في هذا الحرف إلى مادة: (جزي)، فإذا جاء إلى هذه المادة سيجد فيها 10 كلمات، ويجد الكلمة التي يريد النظر فيها هي الكلمة الثانية، وهذه الكلمات العشر مرتبة أبجدياً بحسب الحرف الأول ثم الثاني والثالث وهكذا، فيذهب إلى الكلمة الثانية في هذه المادة يجد مادة كلمة: (جزاء)، فسيجد فيها ما نقلته من كلام الأئمة في رسم هذه الكلمة، سيجد أولا كلام ابن الأنباري في كتابه (مرسوم الخط)، ثم عن المهدوي، ثم الجهني، ثم الداني في (المقنع) أو (المحكم)، ثم الأندرابي، ثم أبو داوود، ثم الشاطبي، ثم السخاوي، ثم الخراز، ثم  المارغني، ثم ذكرت بعد ذلك تتبعي لهذه الكلمة في جميع مواضعها في المصاحف القديمة بحسب قِدَم تلك المصاحف، ثم أختم الكلام عن هذه الكلمة بإجمالي عدد مواضعها، وأماكن تلك الورود باسم السورة ورقم الآية، ثم أكتب تعليقاً عليها، وحين أجد أن الكلام متداخل، أكتب خلاصة للكلمة؛ فأذكر السورة ورقم الآية ثم ألخص كلام الأئمة فيها.

والتلخيص لا يكون لكل الكلمات بل لما أجده متداخلا يصعب فهمه مباشرة.

فأنت مثلا تجد أني لم أذكر هنا الإمام أبا عبيد، فتعلم يقيناً أنه لم يتكلم عن هذه الكلمة في كتابه الذي رجعت إليه، وهكذا إذا لم تجد أحد المؤلفين المعتمدين عندي في أي كلمة، فتحكم يقيناً بأنه لم يتكلم عن هذه الكلمة.

كيف سيسهم برأيك معجم الرسم العثماني في تطور الدراسات القرآنية مستقبلاً؟

هذا الأمر يحكم فيه الباحثون المهتمون، وفي اعتقادي أن الأمر فيه هو تسهيل المادة العلمية للباحثين في مكان واحد، واختصار الوقت الذي قد يبذله الباحث عن كلمة معينة في كتب الرسم، ولست أشك أنه سيثري الساحة القرآنية ويسد مكاناً مهماً مما يتعلق بالدراسات القرآنية، آمل ذلك، وأسأل الله أن يصلح لي فيه نيتي، وأن ينفعني به في الدنيا والآخرة، وأن يتقبله مني.

هل تفكرون بنشر هذا المعجم بصيغة إلكترونية على الإنترنت بحيث يكون متوفراً لعدد كبير من الباحثين من مختلف أنحاء العالم؟

ليس في المنظور القريب، فعل ذلك، وذلك لأمور متعقلة بحقوق التوزيع للطبعة الأولى التي تعاقدت فيها مع مركز تفسير للدراسات القرآنية، وقد بذلوا في إخراجه ما أعتقد أن غيرهم سيعجز عن تحقيق مثل ذلك أو قريباً منه، فجزاهم الله خير الجزاء.

ما هي أعمالك ومشاريعك القادمة؟

خدمة كتاب الله لا تنتهي، وقد انتهيت من تحقيق كتاب المقنع وسلمته لدار نشر، وكذا سلمت دراسة تحقيق وتعليق وإخراج لمصحف باريس برقم: (5122)، وكذا منظومة الإمام الشاطبي (ناظمة الزهر) وهي تحت الطبع، ومن الكتب الجاهزة عندي للطبع منظومة الإمام شعلة الموصلي (ذات الرشد) وشرحي عليها، وكذا منظومة (عِلْقُ اللبيب) في ترجيح الخلاف في المواطن التي اختلف فيها الناقلون لأئمة العدد عن رواته، وشرحتها بشرح أسميته (إتحاف الحبيب بكشف مخبآت علق اللبيب)، يسر الله طبعها.

وأعمل حالياً بجانب عملي في المعجم على كتاب (البيان في عد آي القرآن) للإمام الداني، حيث عثرت على نسخة مخطوطة فيها زيادات كثيرة على النسخة المطبوعة، عسى الله أن يعيني على إتمامه، وعندي منظومة ألفية في عد الآي أسميتها (منيفة الذرى) أتممتها وأنا أعمل على إكمال شرحها، وكذا شرح وتحقيق منظومة الإمام الجعبري في عد الآي (عقد الدرر) حيث أكملت تحقيقها، وأنا الآن في شرحها.

هل من كلمة أخيرة توجهها؟

الإنسان كثير بإخوانه، ورجائي من كل من قرأ في كتابي (معجم الرسم العثماني) أن لا ينساني بدعوة صالحة بظهر الغيب، وأن ينصحني في كل ما قد يراه حين قراءته له من ما يكمل هذا العمل، فأنا محتاج إلى النصح.

وفق الله الجميع لمرضاته، وأعاننا على طاعته، وصلى الله وسلم على خيرته من خلقه، والحمد لله رب العالمين.


[1]  نُشر هذا اللقاء في مجلة الدراسات الدينية، العدد الثالث، ربيع الأول 1437هـ / ديسمبر 2015م، ص: 23-29.

كتاب جديد: “محاضرات في منهج البحث العلمي وتحقيق المخطوطات” للدكتور إياد السامرائي

12308554_1702929356610275_500366109300991641_n

صدر حديثاً عن مكتبة أمير في كركوك ودار ابن حزم في بيروت كتاب للدكتور إياد سالم السامرائي بعنوان “محاضرات في منهج البحث العلمي وتحقيق المخطوطات”، وأصل الكتاب محاضرات ألقيت على طلبة قسم اللغة العربية بجامعة سامراء للسنة الدراسية (2012م-2013م).

وقد أرسل لي الدكتور مشكوراً مقدمة كتابه، أشاركها مع قراء المدونة للفائدة: 

الحمدُ للهِ العليمِ الحكيمِ، والصلاةُ والسلامُ على خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين، معلِّمِ النَّاس الخير والهادي إلى سبيلِ الرشادِ، وعلى آلهِ وصحابتهِ أجمعين أما بعد:
فللبحث العلمي دورٌ مهمٌ في ريادةِ الأممِ والتقدم الحضاري والمادي، وأصبحت الدول التي تعنى بالبحث العلمي وتوليه العناية والاهتمام هي الدول الأكثر تقدمًا في المجالات كافة، فالبحث العلمي أصبح سمة واضحة للتقدم والتطور الحضاري والمادي على مستوى أي مؤسسة أو دولة من دول العالم المختلفة، وهذه حقيقة أصبحت ملموسة، فكُلَّما زاد عدد الباحثين المؤهلين والناجحين، وعُني بمراكز البحوث وقدَّم لها من إسناد مادي ومعنوي، انعكس ذلك على تقدم المجتمع والدولة وتطورهما، ونمو إمكاناتهم في المجالات جميعها التي يشملها البحث والتطوير، فالتقدم الحضاري والمادي مرهون بالبحث العلمي.
ولاشكَّ أنَّ الدراسة الأكاديمية تعنى بتدريس مادة منهج البحث العلمي، لأنَّ من هدفها تخريج طلبة يستطيعون الإسهام في التقدم الحضاري والعلمي لبلدانهم، لذا يجب أن يدرك الطالب أهمية البحث العلمي والتعرف على مناهجه، وكيفية تقصي الحقائق العلمية على وفق المنهج العلمي الرصين للوصول إلى نتائج جيدة، ويتقن الطالب كذلك كيفية كتابة البحوث بطريقة علمية صحيحة يستفاد منها مستقبلًا.

وقد كلَّفني قسم اللغة العربية في كلية التربية بجامعة سامراء في السنة الدراسية (2012م – 2013م) بتدريس مادة منهج البحث العلمي لطلبة القسم للدراستين الأولية والعليا، فنزلت عند رغبتهم وقمت بتدريس هذه المادة مستعينا بالله أولًا ثم بما هو موجود في المكتبة العربية من كتب تناولت هذا الموضوع، وبما تجمع لديَّ من ملاحظ خلال تجربتي في كتابة البحوث والإشراف على طلبة الدراسات الأولية والعليا، فلم أزد شيئًا جديدًا على ما كتب سابقًا، فالأسس العلمية لكتابة البحوث العلمية الأكاديمية أصبحت ثابتة منذ عقود من الزمن، ولكن ما لحظته على هذه الكتب –على كثرتها– أنها لم تكن شاملة في تناول موضوعات هذه المادة، فبعض الكتب سلطت الضوء على جوانب وأهملت جوانب أخرى مع صعوبة في تناول الموضوعات وعدم الترابط بينها، فشرعت في إعداد هذه المحاضرات لتحقيق غرضين مهمين:
الأول- تناول هذا الموضوع من جوانبه كافة، أي: (المنهج، والبحث، والعلمي)، بحيث لا يطغى موضوعٌ على موضوعٍ فيهمل أو يُفرَّط في الآخر.
والثاني- سهولة عرض المادة، والوضوح في التعبير، وتيسير كتابة بعض الموضوعات لتكون أقرب إلى فهم القارئ، فأوجزت ما هو مسهب وأوضحت ما هو غامض في هذه الكتب.
وتجدد الطلب من عدد من الأساتذة والطلبة في إلقاء محاضرات في تحقيق المخطوطات، فأقمتُ دورةً في خطوات تحقيق المخطوط، لاقت قبولاً واستحسانًا من قبل المشاركين، وقدمتُ خلالها موجزًا في خطوات التحقيق، رأيت من المفيد أن أُلحقه بهذه المحاضرات، لأنَّ علم التحقيق يُدرَّس ضمن مادة منهج البحث في قسم اللغة العربية وفي غيرها.

فجاءت هذه المحاضرات في تمهيد وأربعة فصول، أما التمهيد فخصصته لدراسة المصطلحات والمصادر.
أمَّا الفصل الأوَّل (المنهج العلمي أنواعهُ وخطواتهُ وسماتهُ)، فجاء في ثلاثة مباحث، المبحث الأوَّل تحدثتُ فيه عن أنواعِ المناهج، والمبحث الثاني تحدثت فيه عن خطواتِ المنهجِ العلميِّ، والمبحث الثالث فتحدثت فيه عن سمات التفكير في المنهجِ العلميِّ.
أمَّا الفصل الثَّاني (عناصر البحث)، فجاء في ثلاثةِ مباحثَ، خصصت المبحث الأوَّل للعنصر الأوَّل وهو البحث، وتحدثت في المبحث الثَّاني عن العنصر الثَّاني وهو الباحث، ثم ختمتُ الفصل بالمبحث الثَّالث بالحديث عن العنصر الثَّالث وهو المكتبة.
أمَّا الفصل الثَّالث (الأصول العلمية للبحث)، فجاء في ثلاثةِ مباحثَ أيضًا، تحدثت في المبحث الأوَّل عن خطوات ما قبل الكتابة، وتحدثت في المبحث الثَّاني عن خطوات عند الكتابة، وتحدثت في المبحث الثَّالث عن خطوات ما بعد الكتابة.
أمَّا الفصل الرَّابع (خطوات تحقيق المخطوط)، فجاء في ثلاثة مباحث أيضًا، تحدثت في المبحث الأوَّل عن خطوات ما قبل التحقيق، وتحدثت في المبحث الثَّاني عن خطوات عند التحقيق، وتحدثت في المبحث الثَّالث عن خطوات ما بعد التحقيق.

وختامًا أسأل الله عز وجل أن أكون قد وفقت في عرض هذه المادة على الوجه الصحيح المرضي، وأرجو الله العلي القدير أن يتقبل عملي هذا، ويجعله خالصًا لوجه الكريم، وأن يتجاوز زلتي، ويغفر عثرتي، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين

د. إياد سالم صالح
سامراء في 29 من رمضان 1436هـ
الموافق 16 من تموز 2015م

رحلة مصحف عثمان: من سمرقند إلى سان بطرسبورغ

رحلة مصحف عثمان: من سمرقند إلى سان بطرسبورغ [1]

يفيم رضوان 


في خريف عام 1936، دخلت سيدة كبيرة في السن إلى معهد الاستشراق في مدينة لينينغراد (سان بطرسبورغ حالياً) عارضةً بضع أوراق من القرآن الكريم للبيع. واصطدمت محاولات الأكاديمي إيغناتي يوليانوفيتش كراتشكوفسكي معرفة مصدر هذه الأوراق بعدم رغبة واضحة من قبل هذه السيدة في مناقشة هذا الموضوع. ولكن كراتشكوفسكي لاحظ وجود حرفي ( I.N) على غلاف أحد الكتب التي جلبتها هذه السيدة، وأدرك أن هذه النسخة من القرآن تعود إلى إيرينيه سليم نوفل ( 1828 ـ 1902) الدبلوماسي الروسي اللبناني الأصل.

وقدّر العالِم كراتشكوفسكي على الفور أهمية هذه المخطوطة باعتبارها إحدى أقدم نسخ القرآن، لكنه وصفها باقتضاب، ولم تجرِ عليها بحوث مفصلة، لا في ذلك الوقت، ولا حتى لاحقاً. وفي عام 1998 نَشرتُ مقالة مكرسة لهذه المخطوطة، وهنا بدأ الجانب المثير من هذه المسألة، فقد قال لي أحد الزملاء الفرنسيين، بعد اطلاعه على المقالة، إنه توجد في قرية قطا ـ لانغر الجبلية في أوزبكستان اثنتا عشرة ورقة أخرى شبيهة بنسخة القرآن المحفوظة في بطرسبورغ. واتضح أن هذه المخطوطة لم تصل إلى بطرسبورغ من شبه الجزيرة العربية وإنما من آسيا الصغرى.

5281399._SY540_
في ديسمبر/ كانون الأول من العام 1999، تمكنتُ بمساعدة الزملاء الفرنسيين والأوزبكيين من القيام برحلة إلى قرية قطا ـ لانغر الواقعة على بعد مئة كيلومتر جنوب سمرقند، وعلى بعد خمس دقائق بالسيارة عن قطا ـ لانغر توجد قرية سكانها من العرب الأقحاح الذين حافظوا على لغتهم الأم حتى الآن. أما المسجد وأضرحة شيوخ أخوة إيشكيا الصوفيين في قطا ـ لانغر، فتمثل روائع حقيقية لفن العمارة الإسلامية، ولكنني لم أكن أعرف كل ذلك قبل ذلك الصباح من ديسمبر، عندما انطلقت بعثتنا من طشقند.

حلّقنا فوق الطريق الذي كان يزداد خطورة كلما ارتفعنا نحو قمة الجبل، وعبرنا فوق مضيق جبلي، وعندما هبطنا على بقعة أرض مستوية، تركنا من ناحية اليمين قباب سمرقند التي كانت تتلألأ عبر سحب الدخان التي تخترقها أشعة الشمس.

ظهرت أولى البيوت، وعند الأبواب وقفت نساء فضوليات ذوات عيون سوداء يحملن أولادهن بين أيديهن. وعلى حمار ركب شيخ يرتدي عمامة، وقدماه في جزمة مدببة وكالوشيكادان يلامسان الأرض، أوقفنا السيارة واتجهنا إلى الأعلى، نحو المسجد القديم، حيث كان باستقبالنا إمام المسجد وشيوخ أجلاء.

فُتحت أبواب قديمة، وكان المدخل مليئاً بالحجاج، وعرضوا علينا صندوقاً مزركشاً حُفظ فيه هذا الأثر القديم في وقت من الأوقات. وها هنا، أخيراً، يسحبون أوراق الرق الثمينة، إنه بلا شك ذلك الخط القديم المعروف الذي يعود إلى أكثر من ألف عام، عندها انطلقت ألتقط صوراً باحثاً عن أشعة الشمس الداخلة.

لاحقاً، تمكّنا من تحديد أن نصف مخطوطة المصحف ظهرت في القرن التاسع عشر، في سوق الكتب في مدينة بخارى. وفي الوقت الذي اشترى فيه إيرينه سليم نوفل الجزء الآخر، بيعت ثلاث من أوراقها للأرستقراطيين المحليين، والآن يحتفظ بها في المكتبات العلمية في بخارى وطشقند. وفي عام 1983 انطلقت في اوزبكستان حملة مناهضة للدين، وصودرت الأوراق التي كانت محفوظة في قرية قطا ـ لانغر، وفي عام 1993 فقط أعيد للمسلمين قسم من الأوراق المصادرة ( 12 ورقة)، وفي عام 2003 صادرت الجمارك الأوزبكية ورقتين أخريين من هذه المخطوطة خلال محاولة إخراجهما من البلاد، ما يعني أن القسم الذي اختفى لم يضع، بل محفوظ في مكان ما عند أشخاص عاديين.

احتاج الأمر إلى بضع بعثات أخرى إلى آسيا الوسطى، وساعات طويلة في المكتبات ومستودعات حفظ المخطوطات في عدد من البلدان من أجل تتبع طريق المخطوطة على مر القرون ووصولها إلى قطا ـ لانغر. واليوم يمكن، وبدرجة محددة من الثقة، التأكيد على أن المخطوطة المقدسة جلبها إلى أراضي أوزبكستان الحديثة أفراد إحدى القبائل العربية التي بدأت طريقها المفترض من عُمان خلال الفتوحات العربية الأولى. وعند تقاطع القرنين الثامن والتاسع الميلاديين حصل أفراد هذه القبيلة على نسخة من القرآن التي نتحدث عنها، وحملوها عبر أراضي العراق الحالية وإيران وأفغانستان.

إن المخطوطة التي يبلغ عمرها اثني عشر قرناً المحفوظة في بطرسبورغ هي حقاً رحلة مدهشة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصير سلالات ودول ومدن وأشخاص، وبمصير الحضارة الإسلامية نفسها، ابتداءً من نشأتها في أراضي الجزيرة العربية في القرن السابع ميلادي. واليوم فإن هذه المخطوطة من القرآن الكريم تُعدُّ مصدراً هاماً لتأريخ النص المقدس الذي آمن به المسلمون الأوائل، وقد أتاح تحليل المخطوطة دحض عدد من الفرضيات المشهورة في العلوم الغربية حول أن النص الكامل للقرآن لم يظهر قبل القرن التاسع ميلادي.


[1] نشرت النسخة العربية من المقال في موقع “روسيا ما وراء العناوين” بتاريخ 2015/09/16.

أسئلة وأجوبة عن مخطوطة برمنجهام القرآنية

REUTERS/Peter Nicholls
REUTERS/Peter Nicholls

على خلفية إعلان جامعة برمنجهام نيتها عرض المخطوطة القرآنية “المكتشفة” مؤخراً (1572a) للزوار في الفترة من 2 إلى 25 أكتوبر القادم([1])، نشرت الجامعة صفحة مخصصة للأسئلة الأكثر تكراراً (FAQ) عن المخطوطة والإجابة عليها([2])، وركزت الأسئلة إجمالاً على أصل وتاريخ وعمر هذه المخطوطة القرآنية بالإضافة إلى نتيجة الفحص الكربوني المشع وعمر الحبر وغيرها. وحرصاً من مدونة الدراسات القرآنية على الإثراء المعرفي للقراء في مجال مخطوطات القرآن الكريم فقد رأينا ترجمة عدد من هذه الإجابات إلى اللغة العربية.

  • مخطوطة برمنجهام

ماهي مخطوطة برمنجهام القرآنية؟

مخطوطة برمنجهام القرآنية هي عبارة عن ورقتين (أربعة صفحات) مصنوعة من الرق ومكتوبة بالحبر، تحتوي على أجزاء من سورة الكهف ومريم وطه. تشكل المخطوطة جزءاً من مجموعة ألفونس منجانا لمخطوطات الشرق الأوسط التي تحتفظ بها مكتبة كادبوري للبحوث تحت كاتلوج: Islamic Arabic 1572a

كم عُمر المخطوطة؟

أعاد فحص الكربوني المشع (كاربون 14) الذي أجري في وحدة مسارع الكربون في جامعة أكسفورد هذه المخطوطة إلى الفترة ما بين عامي 568 و 645م بنسبة دقة تصل إلى 95.4%. هذا يضع الرق الذي كُتِبَ عليه النص على مقربة من حياة النبي محمد (الذي يعتقد عموماً أنه قد عاش بين عامي 570 و 632م) .

هل هي الأقدم في العالم؟

من المستحيل القول ما إذا كانت هذه هي أقدم مخطوطة قرآنية في العالم. مع ذلك، فقد خلص الباحثون إلى أن المخطوطة تعد من بين أقدم الأدلة الكتابية المتبقية للقرآن. نحن نعتقد أيضاً أنها أقدم مخطوطة قرآنية في المملكة المتحدة.

كيف وصلت المخطوطة إلى برمنجهام؟

أُشتريت المخطوطة في ثلاثينيات القرن الماضي من قبل ألفونس منجانا وبتمويل من أحد المتبرعين المنتمين لجماعة كويكرز البروتستانتية وهو رجل الاعمال إدوارد كادبوري. كان منجانا يبني مجموعة مخطوطات من الطراز العالمي. سمى كادبوري المجموعة باسم (مجموعة منجانا) بعد أول أمين لها. ووصلت المجموعة إلى جامعة برمنجهام عندما اندمجت مع كليات سيلي أوك أواخر التسعينيات. 

كيف ظهر هذا الاكتشاف إلى النور؟

لسنوات عديدة والصفحات مختلطة مع مخطوطة قرآنية أخرى ضمن مجموعة مجانا، يُعتقد أنها تعود إلى نهاية القرن السابع الميلادي. احتمالية أن قسماً من هذه المخطوطة يمكن أن تكون أقدم خرجت إلى النور من خلال دراسة باليوغرافية معمقة للوثيقة قامت بها الدكتورة ألبا فديلي أثناء بحثها للدكتوراة في جامعة برمنجهام. ميزت الدكتورة فديلي الخط باعتباره حجازياً عليه بضعة علامات للتنقيط وخالي من علامات التشكيل.

ماهي أصول هذه المخطوطة؟

من غير الممكن القول على وجه التأكيد من أين جائت المخطوطة أو من كان الناسخ. من خلال الخط، يمكننا أن نستنتج أنه قد تم صنعها في منطقة الحجاز غرب الجزيرة العربية والتي تضم المدن الإسلامية المقدسة مكة والمدينة.

تم الاقتراح بناءاً على أسباب باليوغرافية أن هذه القطعة تتطابق مع 16 ورقة أخرى تحتفظ بها المكتبة الوطنية الفرنسية وأنها تشكل جزءاً من نفس المخطوطة الأصلية. ويُعتقد أن مصدر الأوراق المحفوظة في باريس هو جامع عمرو بن العاص المبني عام 642م في الفسطاط جنوب مصر، وهو أول مسجد بُني في مصر وأفريقيا.

  • الرق والحبر

من أي شيء صُنعت المخطوطة؟

المخطوطة مصنوعة من الرق. الرق هو جلد الحيوان الذي يُزال شعره وتتم معالجته بمحلول قلوي كالجير ثم يترك ليجف. هذه العملية تعطيه لونه الأبيض الناصع. مخطوطة برمنجهام القرآنية، على الأرجح، مصنوعة من جلد الماعز أو الغنم، وهي المواد التي كانت تستخدم في صناعة الرقوق الإسلامية المبكرة.

هل توجد أية معلومات عن الحبر؟

الحبر البني من هذه الفترة والمستخدم في المخطوطة، مصنوع  من الحبر المرتكزعلى الكاربون، وقد كتب باستخدام الأقلام المصنوعة من القصب. الحبر الأحمر، والذي ربما أضيف في وقت لاحق، يمكن أن يكون مصنوعاً من دودة القرمز. لم يتم قياس عمر الحبر إذ لا توجد حالياً أي طريقة موثوقة علمياً يمكن الاعتماد عليها لقياس عمر الأحبار.

هل المخطوطة طِرس؟

لا يوجد دليل يثبت أن المخطوطة عبارة عن طِرس.  الطِرس هو رق أعيد استخدامه مع غسل الحبر الأصلي وكتابة نص جديد عليه يكون في العادة عند درجة 90 إلى الأصل. في حين أن هناك مخطوطات أخرى في مجموعة منجانا من الواضح أنها طروس، فإن مخطوطة برمنجهام القرآنية ليس طرساً فلا يوجد دليل على نص تحتي. ما يظهر على شكل ظلال للكتابة في بعض الصور المستنسخة على شبكة الإنترنت هو في الحقيقة الكتابة من الجانب الأخر للورقة. وهذا واضح عند فحص المخطوطة الأصلية.

  • مجموعة منجانا

ماهي مجموعة منجانا؟

تتكون مجموعة منجانا في جامعة برمنجهام من أكثر من 3000 مخطوطة شرق أوسطية تمثل أكثر من 20 لغة وتمتد إلى 4000 سنة. أكتسبت هذه المجموعة الفريدة والغنية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي من قبل ألفونس منجانا، وهو قس كلداني ولد قرب مدينة الموصل واستقر في إنجلترا. تم تمويل رحلات منجانا الثلاثة إلى الشرق الاوسط للحصول على المخطوطات ومشترياته من تجار المخطوطات الأوروبيين من قبل إدوارد كادبوري الذي عين بسخاء اسم المجموعة بعد أول أمين لها. يمكن الإطلع على المخطوطات في مجموعة منجانا (بما في ذلك مخطوطة برمنجنهام القرآنية) عن طريق غرفة المخطوطات الافتراضية.

من هو ألفونس منجانا؟

“كاتب وأمين المخطوطات الشرقية” هكذا وصف منجانا نفسه. ولد في العراق عام 1878، وهاجر إلى المملكة المتحدة عام 1913 واستقر في برمنجهام حيث عمل مع ج. ريندل هاريس ومن ثم مديراً للدراسات في مركز وودبروك. عرف هاريس منجانا إلى إدوار كادبوري. لقد توفي منجانا عام 1937 قبل أن يكمل فهرسة الجزء الرابع للـ 3000 مخطوطة التي اكتسبها لمصلحة إدوارد كادبوري. أما الفهارس الثلاثة الأولى فقد أنجزها قبل وفاته. وقد أكمل الجزء الرابع لفهرس المخطوطات الإسلامية العربية من قبل خليفة منجانا ونشر عام 1963 ثم نشرت نسخته المنقحة عام 1985 (نفدت طباعته). يمكن الاطلاع على محتوى هذا الفهرس عبر شبكة الإنترنت.

من هو إدوارد كادبوري؟

كان إدوارد كادبوري حفيد مؤسس شركة (شوكلاته كادبوري) وأحد المنتمين لجماعة كويكرز البروتستانتية مع اهتمام بالعمل الخيري. لقد اكتسب كادبوري هذه المخطوطات لرفع مكانة برمنجهام كمركز للدراسات الدينية والمنح الدراسية اللاهوتية. في عام 1936، أسس كادبوري كرسي اللاهوت في جامعة برمنجهام والذي لا يزال موجوداً حتى يومنا هذا. وفي عام 1945، تأسست “إدوارد كادبوري الخيرية”.

ماهي مكتبة كادبوري للبحوث؟ 

مكتبة كادبوري للبجوث هي قسم المجموعات الخاصة بجامعة برمنجهام. تحتوي مكتبة كادبوري على أكثر من 4 ملايين مخطوطة و 200 ألف من الكتب النادرة. 

هل توجد مخطوطات قرآنية أخرى في مجموعة منجانا؟ 

توجد مخطوطة قرآنية أخرى مكتوبة بالخط الحجازي في مجموعة منجانا يُعتقد أنها من نهاية القرن السابع الميلادي تحت كاتلوج: Islamic Arabic 1572b. وتوجد كذلك مخطوطة قرآنية مكتوبة بالخط الكوفي من القرن التاسع الميلادي تحت كاتلوج: Islamic Arabic 1563.


[1] يُمكن للمهتمين حجز تذاكر لحضور المعرض ومشاهدة مخطوطة برمنجهام القرآنية. وسوف تلقي جوزفين فرانك أمينة المخطوطات بالجامعة في 16 أكتوبر القادم محاضرة تكشف فيها قصة المخطوطة وكيف وصلت إلى برمنجهام.

[2] http://www.birmingham.ac.uk/events/quran-manuscript/faqs.aspx