تقرير عن مؤتمر مؤسسة الفرقان “القرآن الكريم من التنزيل إلى التدوين”

تقرير عن مؤتمر مؤسسة الفرقان «القرآن الكريم من التنزيل إلى التدوين»

(إسطنبول، 25-26 نوفمبر 2017)

أحمد وسام شاكر

نظَّم مركز دراسة المخطوطات الإسلامية بمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي مؤتمراً دولياً بعنوان (القرآن الكريم من التنزيل إلى التدوين) يومي 25 و26 نوفمبر 2017 بالعاصمة إسطنبول، بحضور حفنة من الباحثين في الدراسات القرآنية والكوديكولوجيا العربية. ويأتي هذا المؤتمر – في دورته الثامنة – على خلفية إعلان جامعة برمنجهام في 22 يوليو 2015 عن نتيجة الفحص الكربوني المشع لواحدة من مخطوطاتها القرآنية القديمة (تُعرف إعلامياً باسم «مصحف برمنجهام»)، حيث أرجعها الفحص إلى الفترة 568-645م بنسبة دقة 95.4%؛ أي إلى القرن الأول الهجري لا الثاني أو الثالث كما كان يُعتقد سابقاً. وقد أثار هذا الخبر موجة عارمة من ردود الأفعال المتباينة إلى وقت قريب، لاسيما وأن هناك من استخدم نتائج الفحص خطأ للقول بأن القرآن الكريم سابق للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فرأت مؤسسة الفرقان أن تعقد مؤتمراً يتناول موضوع المصاحف المخطوطة من حيث التعريف بها وبيان أهميتها، وضروره فهرستها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين، ومتابعة المشاريع الغربية المهتمة بنشرها كمشروع كوربوس كورانيكوم الألماني، وغيرها من القضايا المتقاطعة والدراسات القرآنية.

اضغط هنا لقراءة التقرير

 

التحليل الكربوني المشع (C14) للمخطوطات القرآنية القديمة

1 (2)

التحليل الكربوني المشع (C14) للمخطوطات القرآنية القديمة:

مخطوطة جامعة ليدن أقدم بمائة عام مما كان متوقعاً !

أحمد وسام شاكر 

مقدمة:

مؤخراً، قام مشروع كوربوس كورانيكوم الألماني بإجراء فحوصات التحليل الكربوني المشع C14 لعدد من المخطوطات القرآنية القديمة التي تحتفظ بها مكتبات جامعية وحكومية في أوربا مثل مكتبة جامعة توبنجين، جامعة ليدن، ومكتبة برلين الحكومية. ومن المتوقع مستقبلاً أن يقوم المشروع بإجراء المزيد من هذه الفحوصات عن طريق التعاون مع مختبرات خاصة، كمختبر Ion Beam Physics في المعهد الفدرالي للتكنلوجيا (ETH) في زيورخ.

لقد تحدثتُ في مقالات سابقة عن هذه التحليلات الكربونية بالنسبة لمخطوطتي مكتبة جامعة توبنجين ومكتبة برلين الحكومية[1]، ولهذا فإني سأخصص هذا المقال للحديث عن مخطوطة جامعة ليدن؛ وهي من أولى الجامعات التي قام المشروع الألماني بالتعاون معها لإجراء هذا النوع من الفحوصات منذ إنطلاقه عام 2007.

الفحص الكربوني

في 21 يوليو 2014، أعلنت جامعة ليدن على موقعها الرسمي[2] عن خبر إجراء التحليل الكربوني المشع C14 لقطعة قرآنية (Fragment) تعد أقدم قطعة قرآنية تحتفظ بها الجامعة على الإطلاق. لقد كان الخبراء يعتقدون أن هذه المخطوطة تعود إلى الفترة ما بين عامي 770 و 830 ميلادي، إلا أن الفحص الكربوني المشع أعطى نتيجة مبكرة وأعادها إلى الفترة ما بين عامي 650 و 713 ميلادي (صورة رقم: 1)، 30-70 عاماً بعد وفاة رسول الله صلى الله علبه وسلم؛ فهي بذلك أقدم بمائة عام مما كان يعتقد سابقاً.

وتأتي أهمية هذه النتيجة كما في التعليقات التي أوردتها الجامعة لبعض الأكاديميين، للتأكيد على صحة ما ذكرته المصادر الإسلامية من قيام الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنها بجمع القرآن الكريم، أي قيامه بتوحيد المصاحف وإرسالها إلى أهل الأمصار الإسلامية (الجمع الثاني)، أو – على الأقل – عدم تعارض هذه النتيجة مع ما ذكرته المصادر الإسلامية عن هذا الجمع. ولقد شارك في هذا النقاش كلاً من باتريسيا كرون ومايكل كوك، وهما من معسكر المشككين. وفي رأيّ، كلما تم اكتشاف مخطوطات قرآنية تعود إلى القرن السابع الميلادي/الأول الهجري كلما تعرضت نظرية المشككين عن “الجمع المتأخر” للقرآن إلى النقد وبالتالي إلى التقويض، وهي في الأساس لا تحظى بقبول بين غالبية الأكاديميين في الغرب اليوم.

صورة رقم: 1 نتائج فحص الكربون المشع -كاربون 14 - لمخطوطة جامعة ليدن ((Or. 14.545 b-c المصدر:  leidenuniv.nl
صورة رقم: 1
نتائج فحص الكربون المشع -كاربون 14 – لمخطوطة جامعة ليدن (Or. 14.545 b-c)
المصدر: leidenuniv.nl

وصف مخطوطة جامعة ليدن

تتكون مخطوطة جامعة ليدن من قطعتين، الأولى: (Or. 14.454b) والثانية: (Or. 14.454c). الورقة مكتوبة بخط مائل بالحبر البني. أشترت جامعة ليدن هذه القطع عام 1979 من ج. سي. جوريسن السفير الهولندي السابق في بيروت، وقد تبين أنها جزء من المخطوطة (Arabe 331) التي تحتفظ بها المكتبة الوطنية الفرنسية.[3] وفيما يلي وصف لهذه الأوراق[4]:

القطعة (b): ورقة واحدة؛ 40×32 سم؛ 19 سطراً في الصفحة. الورقة مكتوبة بخط مائل بالحبر البني. تحتوي هذه القطعة على سورة النحل، الآيات: 96 (أول كلمة في المخطوطة: “ما عندكم”) – 114 (آخر كلمة: “نعمت”). [انظر صورة رقم: 2-3] . وتظهر في القطعة علامات تنقيط للتمييز بين الحروف المتشابهة ولكن بدون شكل، وهناك خطوط مائلة للفصل بين الآيات (رؤوس الآي).

القطعة (c): ورقة واحدة؛ 34 35x سم؛ 18 سطراً في الصفحة. الورقة مكتوبة بخط مائل بالحبر البني. تحتوي هذه القطعة في الصفحة اليمنى (verso) على سورة المنافقون، الآيات: 1 (أول كلمة: “المنفقون”) – 7 (آخر كلمة: “لا يفقهون”. وفي الصفحة اليسرى (recto) على المنافقون: 8 (أول كلمة: “المنفقون”) – التغابن: 4  (آخر كلمة: “عليم”). [انظر صورة رقم: 4-5] ونلاحظ في السطر الأخير، قبيل الفراغ الفاصل بين نهاية سورة المنافقون وبداية سورة التغابن، عبارة مكتوبة بخط صغير تقول: “ي ا ختمة سورة المنفقون”،  وياء ألف = 11، أي انتهاء سورة المنافقون وعدد آياتها 11 آية. (انظر صورة رقم: 5). وتظهر في القطعة علامات تنقيط للتمييز بين الحروف المتشابهة ولكن بدون شكل، وهناك خطوط مائلة للفصل بين الآيات (رؤوس الآي).

وبعد إجراء المقارنة بين القطعتين (b و c) لم نجد أي اختلاف بينها وبين المصحف الحالي إلا في طريقة هجاء بعض الكلمات.

صورة رقم: 2-3
صورة رقم: 4-5
صورة رقم: 4-5

خاتمة

بعد هذا العرض، ألخص أبرز النتائج التي توصلت لها الفحوصات الإشعاعية للمخطوطات القرآنية الثلاثة التي جاء ذكرها في المقال: مخطوطة جامعة توبنجين، مخطوطة مكتبة برلين الحكومية، ومخطوطة جامعة ليدن، فأقول:

أولاً:  مخطوطة جامعة توبنجين (Ma VI 165): خلص التحليل الكربوني المشع C14 الذي أجري على ثلاث عينات من رق المخطوطة إلى أنه من المرجح بنسبة 95% أن تكون قد نشأت في الفترة 649م-675م، 20-40 سنة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه النتيجة المبكرة فاجأت الخبراء حيث كان يُعتقد أنها تعود للقرن الثامن أو التاسع الميلادي.

ثانياً: مخطوطة مكتبة برلين الحكومية (Ms. Or. Fol. 4313): خلص التحليل الكربوني المشع إلى أن المخطوطة مكتوبة في الفترة ما بين عامي 606 إلى 652 ميلادي، أي بعد حوالي عشرين عاماً من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقصى تقدير. وهذا التحليل الكربوني الحديث يؤيد ما ذهب إليه كلاً من أدولف جروهمان وفرانسوا ديروش من إرجاع هذه المخطوطة إلى القرن الأول الهجري، على عكس مورتيز الذي أرجعها إلى القرن الثالث الهجري. وتجدر الملاحظة هنا أن الفحص الكربوني أجري على عينات من أوراق المخطوطة التي في مكتبة برلين الحكومية فقط، ذلك أن دار الكتب المصرية تحتفظ بـ 29 فوليو من نفس المخطوطة تُعرف بالرقم العلمي (Ms. Qāf 47).

ثالثاً: مخطوطة جامعة ليدن (Or. 14.545b-c): خلص التحليل الكربوني المشع إلى أن المخطوطة مكتوبة في الفترة ما بين عامي 650 و 713 ميلادي، 30-70 عاماً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان الخبراء – سابقاً – يعتقدون أنها مكتوبة في الفترة ما بين عامي 770 و 830 ميلادي، فهي بذلك أقدم بمائة عام مما كان متوقعاً.

ووفقاً للدكتور Arnoud Vrolijk – أمين المخطوطات الشرقية في جامعة ليدن – فإنه ليس من الممكن تحديد تواريخ أكثر دقة من الفحص الكربوني المشع، وهذا صحيح لأن المخطوطات المبكرة لا تحتوي على على بيانات النسخ أو Colophon بحيث يمكننا من خلالها معرفة تاريخ النسخة على وجه الدقة. لكن على العكس مما يظنه كثير من الناس، فإن الفحص الكربوني المشع لا يعطي نتيجة دقيقة (exact result) حيث هناك دائماً نسبة خطأ – تزيد أو تنقص – كما مر معنا في المخطوطات الثلاثة أعلاه.


الهوامش:

[1] راجع: أحمد وسام شاكر، تعليقات على تحقيق وسام قبلان لمخطوطة جامعة توبنجين، مركز نماء للبحوث والدراسات، ينايبر 2015. أقدم مخطوطة قرآنية في برلين تعود إلى منتصف القرن الأول الهجري، مدونة الدراسات القرآنية، أبريل 2015.

[2] Library.leiden.edu,. 2015. ‘Oldest Quran Fragments In Leiden – Special Collections – Libraries’. http://www.library.leiden.edu/special-collections/special/ancient-quran-fragments.html. Research.leiden.edu,. 2015. ‘Leiden’S Oldest Koran Fragments More Than A Century Older Than Previously Believed – News – Research’. http://www.research.leiden.edu/news/oldest-koran-fragments.html.

[3]  Islamic-awareness.org,. 2015. ‘Arabe 331 – A Qur’anic Manuscript From 1St Century Hijra At The Bibliothèque Nationale, Paris’. http://www.islamic-awareness.org/Quran/Text/Mss/arabe331.html.

[4]  تم الاعتماد في وصف مخطوطة جامعة ليدن على كورس البروفيسور جان جاست ويتكام بعنوان “Qur’an in higazi-like script” المنشور على موقع المخطوطات الإسلامية: www.islamicmanuscripts.info

أقدم مخطوطة قرآنية في برلين تعود إلى منتصف القرن الأول الهجري

Ms. Or. Fol. 4313 المصدر: المكتبة الوطنية - برلين
Ms. Or. Fol. 4313
المصدر: مكتبة برلين الحكومية

نشرت صحيفة Der Tagesspiegel الألمانية بتاريخ 2 أبريل 2015 خبراً هاماً عن إجراء مشروع كوربوس كورانيكوم لتحليل الكاربون المشع C14 لواحدة من أقدم المخطوطات القرآنية التي تحتفظ بها مكتبة برلين الحكومية. أُجري الفحص في مختبر المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا (ETH) في زيورخ. وكانت نتيجة الفحص أن المخطوطة مكتوبة في الفترة ما بين عامي 606 إلى 652 ميلادي، أي بعد حوالي عشرين عاماً من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقصى تقدير.

وهذا التحليل الكاربوني الحديث يؤيد ما ذهب إليه كلاً من أدولف جروهمان وفرانسوا ديروش من إرجاع هذه المخطوطة إلى القرن الأول الهجري، على عكس مورتيز الذي أرجعها إلى القرن الثالث الهجري!

المخطوطة مكتوب على الرق بالخط الحجازي، وهو أحد أشكال الخط العربي المبكر،  وتتكون من 36 فوليو، 29 فوليو في دار الكتب المصرية (=Ms. Qāf 47) ، و7 فوليو في مكتبة برلين الحكومية (=Ms. Or. Fol. 4313). وتحتوي هذه الصفحات على مجموعة آيات مختلفة من سورة: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأنفال، التوبة، يونس، هود، إبراهيم، الحجر، الأنبياء، المنافقون، والتغابن.

وقد أكدت المتحدثة الإعلامية باسم المكتبة “جانيت لامبيل” صحة هذا التقرير، قائلة أن المخطوطة تم الحصول عليها منذ حوالي مائة سنة من مقتنيات أحد العلماء، والذي كان يقيم في القاهرة في الفترة من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

لتصفح الأوراق الـ (7) للمخطوطة من مكتبة برلين الحكومية: 

Digitale Sammlungen der Staatsbibliothek zu Berlin: Werkansicht

أحمد وسام شاكر

4 أبريل 2015


المصادر:

  1. Islamic-awareness.org,. 2015. ‘Ms. Qaf 47 – A Qur’anic Manuscript From 1St Century Of Hijra’. http://www.islamic-awareness.org/Quran/Text/Mss/OrFol4313.html.
  1. de,. 2015. ‘Staatsbibliothek Berlin: Älteste Bekannte Koran-Handschriften Entdeckt’. http://www.tagesspiegel.de/berlin/staatsbibliothek-zu-berlin-aelteste-bekannte-koran-handschriften-entdeckt/11593442.html.

سلسلة جديدة: “الوثائق القرآنية” Documenta Coranica

quran_mss

سلسلة جديدة: Documenta Coranica “الوثائق القرآنية”
من تحرير: فرانسوا ديروش، ميخائيل ماركس، أنجيليكا نویڤیرت، وكرستيان روبن.

تحت عنوان “Documenta Coranica”، سلسلة جديدة تهدف إلى دراسة المخطوطات القرآنية المبكرة والوثائق الأخرى المتعلقة بالتاريخ النصي للقرآن ستنطلق في بداية عام 2012. “الوثائق القرآنية” تدرج نفسها في إطار التعاون الألماني الفرنسي في حقل الدراسات القرآنية. ستنشر “الوثائق القرآنية” أقدم وأهم الشواهد النصية في شكل نسخة طبق الأصل مرفق معها التعليق الأساسي. تهدف السلسلة إلى توفير المواد المتعلقة (المخطوطات على الرق، البرديات، النقوش، القراءات المختلفة وغيرها) لجمهور الأكاديميين لأجل فهم التاريخ النصي للقرآن في بيئته العربية. المجلدات الأولى التي يتم التحضير لها هي قصاصات المصاحف من صنعاء ومخطوطة لندن (Or. 2165).

تتكون السلسلة من جزأين:
Manuscripta et Testemonia: نسخ طبق الأصل للمخطوطات والشواهد الأخرى للنص (على الرق، البرديات، النقود؛ نقوش الأحجار والصخور) ستنشر كصور فوتوغرافية مصغرة مع تفريغ النص في الصفحة المقابلة بخط النسخ. التعليقات الأساسية على الباليوجرافيا، الكوديكولوجيا، القراءات المختلفة، أنظمة العد وغيرها مضافة لكل مجلد، بغض النظر عن المقدمة الموضوعة لكل مجلد. دراسات سلسلة “الوثائق القرآنية” تعطي العلماء إمكانية نشر الأبحاث وتحليل الشواهد النصية.

المصدر: Middle East and Islamic Studies, 2011. Brill Publishing
ترجمة / أحمد شاكر (بتصرف)