لقاء مع أ. د. بشير الحميري وحوار حول مشروعه (معجم الرسم العثماني)

لقاء مع أ. د. بشير الحميري وحوار حول مشروعه (معجم الرسم العثماني) [1]

حاوره: أحمد وسام شاكر 

من هو الأستاذ الدكتور بشير الحميري؟ نبذة مختصرة عن حياتك العلمية.

الاسم: بشير بن حسن بن علي الحميري من مواليد: 1970م.

نشأت في مدينة الرياض ودرست الابتدائية والثانوية في مدارس تحفيظ القرآن الكريم، وكنت أحضر دروس بعض المشايخ محاضرات أو دروس متصلة، ثم أكملت في جامعة العلوم والتكنولوجيا في اليمن فدرست تخصص دراسات إسلامية، ثم التحقتُ فيها ببرنامج الماجستير (مواد+بحث تكميلي) كان التخصص هو: الدراسات القرآنية، التخصص الدقيق: (عد الآي)، ثم أخذت الدكتواره من ماليزيا جامعة: (MU) في الدراسات القرآنية التخصص الدقيق: (رسم المصحف).

حُبِّب إليَّ الأدب والشعر مع ما كنت فيه من النشأة القرآنية، ثم لما اشتركت مع الشيخين: محمد جمعان وخالد ناجي مع لجنة في إنشاء مركز الإمام الشاطبي لتلقي القراءات، درستُ فيه إلى جانب الإقراء مادتي (رسم المصاحف)، و(عد آي القرآن الكريم) لأكثر من 12 سنة، وتوثقت علاقتي بهذين العلمين كثيراً، من خلال القراءة لكثير من مخطوطات هذين العلمين، مما استطعت الحصول عليه.

وكانت الصعوبات ندرة من يتفنن في تدريس هذين العلمين، فكنت أسأل ولا أجد إجابة ممن يقومون بتدريس هذين العلمين، فاتجهتُ إلى الإكثار من القراءة والمطالعة لكتب الأقدمين، حتى جمعت قدراً لا بأس به في هذين العلمين.

لو تُحَدِّثنا عن بداية هذا المشروع.. كيف بدأت فكرة تأليف معجم الرسم العثماني؟

بدأت الفكرة حين كنت أدرس الخطوط القديمة عند أ.د. غسان حمدون، وحين أردت منه إجازة في هذا التخصص طلب بحثا كخاتمة لهذه الدراسة، فكتبتُ بحثاً عن (لوحة لدراسة صفحة من رَق) يعود للقرن الأول، نشر في مجلة الدرعية العدد: 22 السنة: 6 تاريخ: 9- 1424هـ الموافق: 11/2003م.

وحين بدأت بدراسة تلك اللوحة احتجت إلى تخريج الكلمات القرآنية المختلفة الرسم من كتب رسم المصاحف أعياني تخريج هذه الكلمات، وأنا لم أبحث إلا في مرجعين أو ثلاثة مراجع فقط، لأني كنت أحتاج إلى أن أمر على الكتاب جميعاً لكي أجد الكلمة، إن وجدت فيه.

وكتب الرسم مؤلفة على طريقتين: الأولى على حسب الأبواب والفصول والبحث في مثل هذا النوع صعب جداً، والطريقة الثانية: التأليف بحسب ترتيب السور، وهذا أولا يحتاج إلى حافظ لمعرفة مكان ورود الكلمة التي نبحث عنها، وقد لا تُذكر في سورتها بل تُذكر في أماكن مشابهة لها، وإذا تكررت الكلمة، فقد يأتي الكلام عنها متأخراً وليس في أول موضع لها، ففيه مشقة أيضاً، مع قلة الكتب المؤلفة بهذا النوع.

كل هذا التعب في البحث عن تخريج كلمة معينة من كتب الرسم دعاني للتفكير في طريقة يستطيع الباحث الوصول إلى الكلمة التي يبحث عنها بسهولة، فرأيت أن أحسن طريقة هي التأليف المعجمي، بأن يكون مثل معاجم اللغة.

فبدأت بتخريج كلمات المصحف وردها إلى جذورها، وقطعت فيه مرحلة أكثر من ثلث القرآن، معتمداً طبعة الملك فهد، ثم رأيت أن لا فائدة من ذلك؛ لأني أريد الكلمات في كتب الرسم، وليس في المصاحف المطبوعة، فرجعت إلى كتب الرسم، وقلت أفهرس كل كتاب وحده، فبدأت بكتاب (دليل الحيران) للمارغني في شرح مورد الظمآن للخراز، ففهرسته كاملا.

ثم لما أنهيت فهرسته علمت مقدار المشقة والتعب في أن يفهرس كل كتاب وحده، فتركت العمل قليلا أفكر في طريقة أخرى للجمع، حتى طبع كتاب (مختصر التبين) لأبي داوود سليمان بن نجاح، فاهتديت أن أجمع كلام الإمام أبي داوود على كل كلمة في جذرها، حتى أكملت إدخاله كاملا برغبة وشغف، ثم رأيت أن أدخل كتاب المقنع لشيخه أبي عمرو الداني، فأدخلته، ثم فكرت في إدخال كتب أخرى، وهكذا أدخلت كتاباً بعد كتاب حتى بلغت الكتب التي أدخلتها في المعجم (15) كتاباً مطبوعاً، كنت أرجع في بعضها إلى مخطوطات هذا الكتاب، فاستفدت كثيراً في تصحيح الكتب المطبوعة.

ثم رأيت أهمية المصاحف القديمة وأن أدخلها في المعجم، فأدخلت خمسة مصاحف قديمة، وهذه المصاحف لا يوجد فيها مصحف مكتمل، وهذا في جميع المصاحف القديمة، فلا يوجد مصحف كامل أبداً، بل لابد من نقص إما بفعل القدم والتآكل والرطوبة والأرضة، أو بفعل السطو والاستيلاء على بعض تلك الأوراق، المهم أني أدخلت (5) مصاحف مخطوطة قديمة في المعجم.

ثم رتبت الكلام في الكلمة الواحدة بحسب وفيات المؤلفين، وجعلت المصاحف القديمة في آخر الكلمة.

كم استغرق العمل على هذا المعجم وما هي المعوقات التي واجهتك في إنجاز هذا العمل الضخم؟

بدأت العمل تحديدا في هذا المعجم: قبل منتصف الليل من يوم الأربعاء: 17- رمضان- 1424هـ، ا1424هـ، الموافق: 12- نوفمبر- 2003م، ولا زلت أعمل فيه حتى كتابة هذه السطور، فلازلت أرغب في إدخال كثير من كتب الرسم التي لم أدخلها إلى جانب بعض المصاحف المخطوطة أيضا، فهو عمل مستمر.

قد يقول قائل ألا تقتضي طبيعة هذه المشاريع الضخمة أن يشترك فيها مجموعة من الباحثين بحيث تختصر الوقت والجهد فكيف ترد على ذلك؟

هذا كلام صحيح، ولكن كانت رغبتي وشغفي محرضان على تحمل كل الأعباء المادية والمعنوية، فلم أكتبه بإحساس الباحث الذي كلِّف بعمل معين، بل كنت أكتبه بالحب الذي أكنه لهذا العلم، فلا تكاد توجد ساعة من ليل أو نهار لم أكتب فيها كلمة أو جملة، أو مراجعة لما كتبت.

والأعمال الكبيرة تحتاج إلى جهود متكاتفة، ولكن إذا خلت الساحة ممن له مثل هذه الرغبة فماذا أفعل؟ هل أسكت وألقي القلم فلا أكتب شيئا؟، بل رأيت أن الإقدام أولى من الإحجام، وأن خوض غمار هذا العمل المتعب مع كل ما في جوانحي من محبة له أولى من سكوتي، فكتبت وواصلت وكنت مقتنعاً بالفائدة لمثل هذا العمل، وأنه سيكون مفيداً لكل باحث في علم الرسم العثماني.

ما هي الكتب والمخطوطات والمصاحف التي اعتمدت عليها في معجم الرسم العثماني؟

أما الكتب المطبوعة التي اعتمدتها في المعجم فهي:

(معاني القرآن) ليحيى بن زكريا الفراء (ت: 207هـ).

(فضائل القرآن ومعالمه وآدابه) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: 224هـ).

(المصاحف) لأبي بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: 316هـ، رجعت لثلاث طبعات منه).

(مرسوم الخط) لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (328هـ، رجعت لطبعتين).

(إيضاح الوقف والابتداء) لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت: 328هـ).

(البديع في رسم مصاحف عثمان) لأبي عبدالله محمد بن يوسف الجهني (ت: 442هـ رجعت فيه لثلاث طبعات ومخطوطة قديمة، لم يطلع عليها أحد المحققين).

(هجاء مصاحف الأمصار) لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت: 430هـ).

(المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (444هـ، رجعت فيه لطبعة الشيخ دهمان، وإلى تحقيقي على الكتاب).

(المحكم في نقط المصاحف) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت: 444هـ).

(الإيضاح في القراءات العشر) لأبي عبدالله أحمد بن أبي عمر الأندرابي (ت: 471هـ).

(مختصر التبيين لهجاء التنزيل) لأبي داوود سليمان بن نجاح (ت: 496هـ).

(عقيلة أتراب القصائد) لأبي محمد القاسم بن فيرة الشاطبي (ت590هـ، رجعت فيه لعدة طبعات ومخطوطات).

(الوسيلة إلى كشف العقيلة) لأبي الحسن علي بن محمد السخاوي (ت: 643هـ).

(مورد الظمآن) منظومة في رسم المصحف لمحمد بن محمد الخراز (ت: 718هـ، رجعت فيه لمطبوعتين –إحداهما التي عليها شرح المارغني- ومخطوطة).

(دليل الحيران شرح مورد الظمآن) لإبراهيم بن أحمد المارغني (ت: 1349هـ).

وأما المصاحف المخطوطة التي اعتمدتها فهي خمسة مصاحف، وأكبر استفادتي مما طبع منها هو الصور الأصلية التي كانت توضع للمصحف المخطوط، فهي التي كنت أعمل عليها وأرجع إليها حال التفريغ لكلمات أي مصحف في هذا المعجم، وقادني ذلك إلى الاستدراك على بعض تلك الطبعات بما سجلته في مقدمات هذا المعجم:

  • مصحف صنعاء، نشر بعنوان: (المصحف الشريف المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، نسخة صنعاء)، تحقيق: أ. د. طيار آلتي قولاج، 1432هـ، 2011م، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، استانبول، تركيا.
  • المصحف الحسيني، هو اختصار لاسم المصحف المحفوظ في المشهد الحسيني بالقاهرة، وكان موجوداً قبل ذلك في جامع (عمرو بن العاص)، ثم انتقل إلى المدرسة الفاضلية، وهو الآن محفوظ في (المكتبة المركزية للمخطوطات الإسلامية) التابعة لوزارة الأوقاف، في القاهرة، وقد أخذت نسخة مصورة عن المخطوط من موقع (أهل التفسير)، ورجعت فيه إلى النسخة المخطوطة.
  • مصحف الرياض، وهو مصحف محفوظ في مكتبة فهد الوطنية، حصلت على نسخة مصورة بالألوان للمصحف من المكتبة، ورجعت فيه إلى نسخته المخطوطة.
  • مصحف طوب قابي، نشر هذا المصحف بعنوان: (المصحف الشريف، المنسوب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، نسخة متحف طوب قابي سراي)، تـحقيق: د. آلتي طيار قولاج، الطبعة الأولى، 1428هـ 2007، منظمة المؤتمر الإسلامي، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باستامبول، مطبعة نمونمة، استامبول، تركيا.
  • مصحف مكتبة باريس، وهو مصحف محفوظ في المكتبة الوطنية بباريس برقم: (5122)، وقد رجعت إلى صورة ملونة من النسخة المحفوظة في المكتب، هو مصحف شبه كامل محفوظ في مكتبة باريس برقم (5122)، مجموع أوراقة: (299) ورقة، مكتوبة على الوجهين، عدا الورقة الأولى والأخيرة، فوجه الأولى وظهر الأخيرة: فارغتان، وعليهما ختم المكتبة، ورجعت فيه إلى نسخته المخطوطة.

وهذا الأخير قمت بدراسته دراسة موسعة وتحقيقه وإخراجه لصالح جامعة الملك سعود، ولعله يطبع قريباً.

ذكرت في محاضرتك بمركز تفسير للدراسات القرآنية أنك لم تُدخِل بعض كتب الرسم وذلك بسبب عدم توفرها لديك أو لعدم اطمئنانك للتحقيق، فهل هذا يعني أنك تخطط مستقبلاً لتحديث المعجم وإصدار طبعة أخرى بحيث تشمل هذه الكتب؟

نعم، فقد ذكرت أن المعجم عمل متواصل، لم أصل إلى نهايته، بل وطلبت من كل من حقق كتاباً في الرسم سواءً طبع أو لم يطبع، أن يرسل لي بنسخة ورقية منه، وسوف أذكر مصدر كتابي أنه منه، بشرط أن يكون من تأليفه أو تحقيقه، وأنا أرجو من كل الباحثين في الرسائل الجامعية أن يسعفوني بنسخ من أعمالهم، وخاصة في كتب الرسم المحققة، ولهم كامل شكري مقدماً.

وكذا من يملك نسخاً واضحة لمصاحف قديمة، وخاصة من مكتبات المغرب العربي بأن يعطيني نسخة أفرغها في المعجم خدمة لكتاب الله مع شكري له في ذلك، وعندي صور لكثير من المصاحف المخطوطة في بعض الدول الأوربية، فمن عنده مصحف قديم يظن بأنه يستحق أن يدخل في المعجم أن يراسلني بهذا المصحف؛ فإن كان عندي ذكرته وذكرت أن عندي منه نسخة سابقة، وإن لم فأذكر أنه مصدري الوحيد له.

لو تشرح لنا بمثال عملي .. كيف يمكن للقارئ أن يستخدم المعجم للوصول إلى كلمة قرآنية معينة وماهي البيانات التي سوف يجدها لهذه الكلمة؟

مثلا لو أن الباحث أراد أن يعرف حكم رسم كلمة (جزاء) المواضع التي زيدت في الواو من غيرها، فإنه يرد هذه الكلمة إلى جذرها اللغوي، فيكون جذرها هو: (جزي)، فيذهب إلى حرف (الجيم)، ثم يذهب في هذا الحرف إلى مادة: (جزي)، فإذا جاء إلى هذه المادة سيجد فيها 10 كلمات، ويجد الكلمة التي يريد النظر فيها هي الكلمة الثانية، وهذه الكلمات العشر مرتبة أبجدياً بحسب الحرف الأول ثم الثاني والثالث وهكذا، فيذهب إلى الكلمة الثانية في هذه المادة يجد مادة كلمة: (جزاء)، فسيجد فيها ما نقلته من كلام الأئمة في رسم هذه الكلمة، سيجد أولا كلام ابن الأنباري في كتابه (مرسوم الخط)، ثم عن المهدوي، ثم الجهني، ثم الداني في (المقنع) أو (المحكم)، ثم الأندرابي، ثم أبو داوود، ثم الشاطبي، ثم السخاوي، ثم الخراز، ثم  المارغني، ثم ذكرت بعد ذلك تتبعي لهذه الكلمة في جميع مواضعها في المصاحف القديمة بحسب قِدَم تلك المصاحف، ثم أختم الكلام عن هذه الكلمة بإجمالي عدد مواضعها، وأماكن تلك الورود باسم السورة ورقم الآية، ثم أكتب تعليقاً عليها، وحين أجد أن الكلام متداخل، أكتب خلاصة للكلمة؛ فأذكر السورة ورقم الآية ثم ألخص كلام الأئمة فيها.

والتلخيص لا يكون لكل الكلمات بل لما أجده متداخلا يصعب فهمه مباشرة.

فأنت مثلا تجد أني لم أذكر هنا الإمام أبا عبيد، فتعلم يقيناً أنه لم يتكلم عن هذه الكلمة في كتابه الذي رجعت إليه، وهكذا إذا لم تجد أحد المؤلفين المعتمدين عندي في أي كلمة، فتحكم يقيناً بأنه لم يتكلم عن هذه الكلمة.

كيف سيسهم برأيك معجم الرسم العثماني في تطور الدراسات القرآنية مستقبلاً؟

هذا الأمر يحكم فيه الباحثون المهتمون، وفي اعتقادي أن الأمر فيه هو تسهيل المادة العلمية للباحثين في مكان واحد، واختصار الوقت الذي قد يبذله الباحث عن كلمة معينة في كتب الرسم، ولست أشك أنه سيثري الساحة القرآنية ويسد مكاناً مهماً مما يتعلق بالدراسات القرآنية، آمل ذلك، وأسأل الله أن يصلح لي فيه نيتي، وأن ينفعني به في الدنيا والآخرة، وأن يتقبله مني.

هل تفكرون بنشر هذا المعجم بصيغة إلكترونية على الإنترنت بحيث يكون متوفراً لعدد كبير من الباحثين من مختلف أنحاء العالم؟

ليس في المنظور القريب، فعل ذلك، وذلك لأمور متعقلة بحقوق التوزيع للطبعة الأولى التي تعاقدت فيها مع مركز تفسير للدراسات القرآنية، وقد بذلوا في إخراجه ما أعتقد أن غيرهم سيعجز عن تحقيق مثل ذلك أو قريباً منه، فجزاهم الله خير الجزاء.

ما هي أعمالك ومشاريعك القادمة؟

خدمة كتاب الله لا تنتهي، وقد انتهيت من تحقيق كتاب المقنع وسلمته لدار نشر، وكذا سلمت دراسة تحقيق وتعليق وإخراج لمصحف باريس برقم: (5122)، وكذا منظومة الإمام الشاطبي (ناظمة الزهر) وهي تحت الطبع، ومن الكتب الجاهزة عندي للطبع منظومة الإمام شعلة الموصلي (ذات الرشد) وشرحي عليها، وكذا منظومة (عِلْقُ اللبيب) في ترجيح الخلاف في المواطن التي اختلف فيها الناقلون لأئمة العدد عن رواته، وشرحتها بشرح أسميته (إتحاف الحبيب بكشف مخبآت علق اللبيب)، يسر الله طبعها.

وأعمل حالياً بجانب عملي في المعجم على كتاب (البيان في عد آي القرآن) للإمام الداني، حيث عثرت على نسخة مخطوطة فيها زيادات كثيرة على النسخة المطبوعة، عسى الله أن يعيني على إتمامه، وعندي منظومة ألفية في عد الآي أسميتها (منيفة الذرى) أتممتها وأنا أعمل على إكمال شرحها، وكذا شرح وتحقيق منظومة الإمام الجعبري في عد الآي (عقد الدرر) حيث أكملت تحقيقها، وأنا الآن في شرحها.

هل من كلمة أخيرة توجهها؟

الإنسان كثير بإخوانه، ورجائي من كل من قرأ في كتابي (معجم الرسم العثماني) أن لا ينساني بدعوة صالحة بظهر الغيب، وأن ينصحني في كل ما قد يراه حين قراءته له من ما يكمل هذا العمل، فأنا محتاج إلى النصح.

وفق الله الجميع لمرضاته، وأعاننا على طاعته، وصلى الله وسلم على خيرته من خلقه، والحمد لله رب العالمين.


[1]  نُشر هذا اللقاء في مجلة الدراسات الدينية، العدد الثالث، ربيع الأول 1437هـ / ديسمبر 2015م، ص: 23-29.

لقاء مع أ. د. إياد السامرائي عن المصاحف المخطوطة للقرآن الكريم

لقاء  مع أ. د. إياد سالم السامرائي عن المصاحف المخطوطة للقرآن الكريم 

حاوره: أحمد وسام شاكر 

د. إياد السامرائي

التعريف بالدكتور إياد سالم السامرائي:

  • من مواليد عام 1395ﻫ = 1975م بمدينة بغداد.
  • تخرج من كلية التربية بجامعة تكريت عام 1421ﻫ = 2000 م.
  • نال شهادة الماجستير من قسم اللغة العربية في كلية التربية بجامعة تكريت عام 1424ﻫ  = 2003م برسالته:”  اختلاف الرواة عن نافع: دراسة لغوية”، كما نال شهادة الدكتوراه من قسم اللغة العربية  في كلية التربية بجامعة تكريت عام 1432ﻫ = 2011م بأطروحته: “ظواهر الرسم في مصحف جامع الحسين في القاهرة: دراسة لغوية موازنة بكتب رسم المصحف والمصاحف المخطوطة”.
  • من كتبه وبحوثه المحكمة المنشورة:

الكتب:

  • ظواهر كتابية في مصاحف مخطوطة: دراسة ومعجم ( دار الغوثاني للدراسات القرآنية – 1431هـ )
  • ظواهر الرسم في مصحف جامع الحسين في القاهرة: دراسة لغوية موازنة بكتب رسم المصحف والمصاحف المخطوطة ( دار الغوثاني للدراسات القرآنية – 1434هـ).

البحوث:

  • الاختلاف في القراءات القرآنية وأثره في اتساع المعنى – مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية
  • إبراهيم السامرائي وآراؤه في النحو العربي – مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية
  • الشمعة في انفراد الثلاثة عن السبعة للناشري – دراسة وتحقيق – مجلة معهد الإمام الشاطبي – جدة
  • اختلاف القراءات القرآنية بين مفهوم علماء المسلمين ودعاوى المستشرقين – مجلة المورد العراقية
  • السكت في الدرس الصوتي العربي – مجلة جامعة تكريت للعلوم الإسلامية
  • المصاحف المخطوطة الألفية التعريف بها وأهميتها والحفاظ عليها – مجلة البحوث والدراسات القرآنية/ السعودية

أسئلة اللقاء:

  1. كيف بدأت رحلتك مع دراسة المصاحف القديمة ؟

ج – بدأت رحلتي مع المصاحف المخطوطة في مرحلة الدكتوراه، فكنت  قبل الالتحاق بدراسة الدكتوراه أحرص على تتبع المخطوطات الإسلامية وجمعها، وتجمعت عندي – بفضل الله –  جملة طيبة منها، ومنها نسخ إلكترونية مصورة من مصاحف مخطوطة قديمة  ومنها مصحف جامع الحسين في القاهرة الذي هو موضوع أطروحتي للدكتوراه، وكنت أمني النفس بتحقيق إحدى هذه المخطوطات، وقد عرضت على أستاذي الدكتور غانم قدوري الحمد رغبتي في تحقيقِ كتابٍ في رسم المصحف، وعرضت عليه عدداً من المخطوطات، فبارك لي هذا التوجه وشجعني عليه، ولكنه لفت نظري إلى دراسة مصحف جامع الحسين في القاهرة، وأنَّ هذه الدراسة ستُسْهِمُ بشكل كبير في معرفة أصول الكتابة العربية وتطورها، وستقدم فوائد علمية كبيرة للمعتنين بتاريخ المصحف ورسمه وضبطه، وأنَّ عملية التحقيق – مع ما فيها من فائدة علمية – لا تحقق هذه الأهداف، ويمكن للدارس في المستقبل بعد ما قدمه من بحث في الدكتوراه أن يشتغل بتحقيق النصوص وإخراجها.

ومن ذلك الحين بدأت بالاهتمام بتتبع المصاحف المخطوطة وجمعها ودراستها.

  1. ما الفائدة العلمية من وراء دراسة المصاحف القديمة؟

ج – الفوائد العلمية لدراسة المصاحف المخطوطة القديمة كثيرة جدًّا، لعل من أهمها:

 1 – تعد المصاحف الخطية – ولاسيما القديمة منها – مصدرًا مهمًّا من مصادر رسم المصحف، وقد اعتمد علماء الرسم على المصاحف العُتَّق في أخذ مادتهم منها في وصف رسم الكلمات في المصاحف العثمانية إلى جانب اعتمادهم على روايات أئمة علماء الرسم، بل يرجع إلى هذه المصاحف حين يعدم الرواية عن الشيوخ، ونظرة سريعة إلى عدد من كتب الرسم تثبت اهتمام علماء الرسم بهذه المصاحف وعدها مصدرًا مهمًّا وأساسيًّا من مصادر كتب رسم المصحف

 2 – إنَّ دراسة المصاحف الخطية القديمة تسهم بشكل كبير في معرفة تاريخ الخط العربي وتطوره، والمراحل التي مَرَّ بها.

3 – تتبع علامات الضبط في المصاحف المخطوطة القديمة عبر العصور المتعاقبة يساعد في دراسة تاريخ العلامات في الكتابة العربية على نحو دقيق وشامل.

4 – وتقدم المصاحف المخطوطة القديمة مادة مهمة وقيمة في مسائل علوم القرآن كاسماء السور والمكي والمدني وعد الآي ومواضع الخموس والعشور، وأرقام الأجزاء والأحزاب، وعلامات الوقف والابتداء وغيرها وهي تُكَمِّل ما هو  موجود في المصادر المتخصصة بهذا الموضوع وتعززه.

  1. كم تقدر عدد المصاحف الخطية الموجودة في مختلف أنحاء العالم ؟

ج – تقدر عدد المصاحف المخطوطة المسجلة في المكتبات العامة في العالم بآلاف النسخ, فقد ذُكِرَ في الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط – قسم المصاحف المخطوطة (2846) مصحفًا مخطوطًا تامًا معروفَ تاريخِ النسخ بالتصريح أو بالقرائن، في مدة تمتد من القرن الهجري الأول إلى القرن الرابع عشر([1])، و(1360) مصحفًا تامًا غيرَ معروف التاريخ([2])، و(1751) مصحفًا غير تام معروف التاريخ([3])، و(2377) مصحفًا غير تامٍ وغير معروف التاريخ([4])، ومن وراء هذا العدد الكبير من المصاحف مصاحف أخرى كثيرة لم يُتَح تسجيلها في فهارس المخطوطات.

  1. هل وصلنا مصحف عثمان بن عفان رضي لله عنه؟

ج – من خلال رواية الشيوخ ونسخ المصاحف نعم، فما موجود من روايات في كتب رسم المصحف ومصاحف قديمة اعتمد عليها علماء الرسم تمثل ما عليه المصاحف العثمانية، وهي بذلك خير ما يمثل واقع الرسم الذي نسخت به المصاحف العثمانية.

أما من حيث المصحف بعينه فلا يوجد دليل قاطع يثبت وجود مصحف سيدنا عثمان رضي الله عنه الآن.

  1. توجد العديد من المصاحف التي تنسب إلى عثمان رضي الله عنه لعل من أبرزها مصحف طشقند والمشهد الحسيني وطوبقابي وغيرها فما علاقة هذه المصاحف بالمصاحف العثمانية الأولى وهل تصح نسبتها إلى عثمان رضي الله عنه؟ 

 ج – ادعت بعض المؤسسات والمتاحف أن بعض المصاحف المحفوظة عندها هي من المصاحف الأئمة التي تنسب إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه، وهذه الدعوات لم تلقَ قبولًا لدى الدارسين، فقد ذهب أغلب الباحثين اليوم إلى أنَّ المصاحف العثمانية الأولى قد فقدت ولم يعد لها وجود اليوم، ويتعذر العثور على مصحف كامل كُتِبَ في القرن الهجري الأول أو الثاني وعليه تاريخ نسخه أو اسم ناسخه([5])، وإنَّ ما هو موجود من مصاحف اليوم هي نسخ نسخت عنها، منها مصاحف قديمة ترجع إلى القرن الهجري الأول خالية من علامات النقط والشكل، ربما يكون بعضها هي التي أخذ علماء الرسم منها رسومهم.

  1. اختلف العلماء في عدد المصاحف العثمانية لكن المشهور أنها ستة فهل يمكننا معرفة عدد هذه المصاحف على وجه الدقة في ضوء دراسة المصاحف القديمة؟

ج – في حقيقة الأمر لا تقدم المصاحف المخطوطة القديمة أي معلومة عن عدد المصاحف، سوى أن هذا المصحف يحمل خصائص المصحف المدني أو المكي أو البصري وغيرها، ولا يمكننا أن نحدد عدد المصاحف على وجه الدقة من خلال هذه الدراسات، ولكن الذي أرجحه أنها خمسة مصاحف وجهت إلى الأمصار الإسلامية ( مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام )، زيادة على المصحف الذي احتفظ به سيدنا عثمان رضي الله عنه لنفسه، والدليل على ذلك هو نشاط حركة الإقراء في هذه الأمصار الخمسة، والقراء العشرة ينسبون إلى هذه الأمصار. 

  1. يدعي المستشرق تيودور نولدكه أن المخطوطات القرآنية فقدت أهميتها منذ القرن الرابع الهجري فهل هذا صحيح؟

ج – هذا الكلام يفتقر إلى الدقة العلمية والإنصاف، فالمصاحف المخطوطة هي المصدر الأساس لعلم الرسم، وعليها مدار التأليف في الهجاء، وأنهم يعاضدون الرواية عن العلماء بما تأملوه في المصاحف الخطية العتيقة، بل ربما استندوا إليها في الترجيح عند اختلاف أئمة الرسم في رسم كلمة ما، أو رجعوا إليها إذا عدموا الرواية في وصف هجاء كلمة ما.

 ولهذه المصاحف قيمة تاريخية كبيرة، فهي الوعاء الذي حفظ لنا نص القرآن، ومصدر مهم في تاريخ الكتابة العربية، وحلقة مهمة في السلسلة الذهبية لدراسة تاريخ القرآن، فحق لنا أن نفتخر بهذه النصوص المنقولة التي تفردت بها الحضارة الإسلامية، كما حق لهم أن يفتخروا بنقش على حجر من كتاباتهم، فراحوا يعظمونه ويجرون الدراسات التاريخية اللغوية عليه، ويفتخرون بدراستهم العلمية الموثقة، أليس هذا كبيرهم إسرائيل ولفنسون يقول في مقدمة كتابه تاريخ اللغات السامية: (( وهذا المؤلف يجمع بين تاريخ اللغات السامية، وبين جملة نماذج من آثارها، وكنت كلما انتهيت من البحث والتنقيب في لغة من اللغات السامية اقتبست أمثلة متنوعة من آثارها، لأن الآثار هي المرآة التي تتراءى فيها الصور الصحيحة للغات الأمم وعقلياتها )) ([6]).

أليس من الإنصاف لمن كان له أقل معرفة بتاريخ القرآن ورسمه أن يقول: إنَّ علماء الرسم سبقوا المستشرقين في هذا المنهج المقارن حين جمعوا بين رواية العلماء وتتبع المصاحف المخطوطة القديمة، وأنها المرآة التي تتراءى فيها الصورة الصحيحة لرواية علماء الرسم؟

وبعد هذا يقال: إنَّ المصاحف الخطية فقدت أي دور لها في علوم القرآن، أو فقدت أهميتها منذ القرن الرابع الهجري!!

  1. هل هناك اختلاف في النص القرآني بين المصاحف القديمة والمصحف المطبوع اليوم في ضوء دراستكم المقارنة لظواهر الرسم في مصحف جامع الحسين بالقاهرة ومقارنتها بكتب رسم المصحف والمصاحف المخطوطة كمصحف لندن وباريس وسانت بطرسبرغ وغيرها من المصاحف التي اعتمدت عليها الدراسة؟

ج – ليس هناك أي اختلافٍ في النص القرآني إلا ما يرجع إلى اختلاف الهجاء الذي نص عليه علماء الرسم ، وهو لا يُشَكِّلُ اختلافاً في النص القرآني فما موجود في المصاحف القديمة يتطابق بصورته ونظمه مع ما موجود في المصاحف المطبوعة اليوم، فجميع المصاحف المخطوطة والمطبوعة في العالم، القديمة والحديثة، متفقة في النص القرآني، ولا يقِّدم أيٌّ منها أي زيادة إلى النص الكريم ، لكن لكل نسخة من المصحف قيمة معنوية، وأهمية تاريخية وعلمية، لاسيما المخطوطة منها، ومن ثم تستحق أيُّ نسخة مخطوطة منها دراسة خاصة بها، فالمصاحف المخطوطة القديمة تحكي قصة الحفظ الموثق لكتاب الله U عبر القرون، وما بذله الصحابة والتابعون لهم من جهود في الحفاظ على هذا النص الرباني من خلال تدوينه، فكان حفظه في السطور مواكبًا لحفظه في الصدور، وبهذه العناية الفائقة ذات الوجهين بقي كتاب الله في مأمن من الضياع والعبث والتحريف، وما زال هذا الكتاب الخالد ينتقل على هذه الحال من العناية والرعاية جيلًا بعد جيل، ومن أفق إلى أفق بصورة فريدة ووحيدة تعتمد المشافهة والحفظ في الصدور أولًا، ويعززها ويسندها التدوين في السطور، إلى أن وصل إلينا كاملًا غير منقوص، محفوظًا من التبديل والتغيير والتحريف.

  1. الدراسات المتعلقة بالمخطوطات بدأت عند الألمان منذ منتصف القرن التاسع عشر وما زالت مستمرة حتى وقتنا هذا ، فما السبب برأيك وراء اهتمام الألمان بالمخطوطات ولماذا تقدموا هم في هذا المجال حتى أن الدكتور طيار آلتي قولاج انتقد بشدة هذا التأخر من الجانب الإسلامي في حين كان المستشرقون يجمعون المخطوطات القديمة من البلدان المختلفة لإصدار النسخة النقدية؟

 ج – حركة الاستشراق الألماني هي جزء من مشروع الاستشراق الغربي بعامة، فهو يتحد معه بكثير من الأهداف والمضامين،  ويعود اهتمام الألمان بدراسة الدين الإسلامي والثقافات الشرقية عمومًا إلى قرون عدة، إذ انصبوا على ترجمة القرآن والحديث والشعر العربي وكتب المفكرين وعلماء المسلمين، وبذلك كرسوا لتقليد علمي لا يزال الألمان يتوارثونه جيلاً بعد آخر، وتكاد جامعاتهم لا تخلو من أقسام اللغة العربية والفكر الإسلامي، وهم يتمتعون بقابلية عجيبة على البحث والتنقيب والتفتيش والصبر على مكاره البحث، ولعل أدق مثال على ذلك المستشرق بيرجشتراسر فهو من أبرز المستشرقين الألمان الذين اهتموا بالدراسات القرآنية .

وجهود المستشرقين الألمان في خدمة التراث العربي عمومًا والدراسات القرآنية خصوصًا واضحة ولا يمكن إنكارها، ولكن كثيرًا من هذه الدراسات انطلقت من فهم خاطئ لتاريخ القرآن وللنص القرآني إن لم نقل فساد نياتهم وحقدهم على الأمة الإسلامية مما دفعهم لتشويه تاريخ القرآن الكريم والطعن والتشكيك في صحته، ولعل ما أثاره نولدكه عن الشعر الجاهلي والقرآن الكريم وآراء فوللرز عن القرآن وتهذيبه أوضح دليل على ذلك، مما أفقدهم كثيرًا من الروح العلمية النزيهة التي يدعون بها.

  1. ما هي الكتب التي تقترح قراءتها للباحث المبتدئ أو المتخصص في دراسة رسم المصحف؟

ج – أنصح بقراءة كتب أستاذنا الدكتور غانم قدوري الحمد، فكتابه الميسر في علم رسم المصحف وضبطه، وكتابه رسم المصحف دراسة تاريخية لغوية من أروع وأدق الكتب في هذا الفن، وأنصح كذلك بقراءة كتب وأبحاث الدكتور أحمد شرشال والدكتور بشير الحميري فهما متخصصان في هذا الفن وكتاباتهما محكمة.

  1. ما هي مشاريعك المستقبلية ؟

ج – لدي بعض التحقيقات العلمية لمخطوطات في رسم المصحف، وأعمل على تأليف موسوعة شاملة في رسم المصحف أسميتها: ( المعجم المفصل في رسم المصحف: من كتب الرسم والمصاحف المخطوطة ) أتتبع فيها جميع كلمات القرآن الكريم وما ذكر فيها من وجوه الرسم في كتب الرسم والمصاحف المخطوطة القديمة، أسأل الله عز وجل التيسير والإخلاص لإتمام هذا العمل.

  1. هل من كلمة أخيرة توجهها ؟

ج – أشكركم على هذه الاستضافة الطيبة، وأسأل الله عز وجل أن أكون قد قلت كلمات نافعة تحسب في ميزان حسناتي وأدعو الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير خدمة لكتابه العزيز.

نشر هذ اللقاء في مجلة الدراسات الدينية، العدد الثاني، جمادى الآخرة 1436هـ، ص: 61-66

الهوامش: 

([1]) ينظر: الفهرس الشامل ( المصاحف المخطوطة ) 12-158.

([2]) ينظر: المصدر نفسه 161-212.

([3]) ينظر: المصدر نفسه 213-314.

([4]) ينظر: المصدر نفسه 315-432.

([5]) ينظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 8/183، ومناهل العرفان 1/279، ورسم المصحف دراسة لغوية تاريخية 190، والكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات 2/299، ومقدمة مصحف طوپ قاﭙـي سرايي 38، ومقدمة مصحف الآثار التركية والإسلامية 1/36-37، ومقدمة مصحف المشهد الحسيني 1/39.

([6]) تاريخ اللغات السامية و.

مصاحف صنعاء

مَصَاحِف صَنْعاء [1]

أحمد وسام شاكر  

مقدمة

في عام 1972م وأثناء عمليات ترميم سقف المسجد الكبير بصنعاء، عثر عمال الصيانة على بقايا أوراق قديمة يبلغ عددها 40 ألف ورقة تبين لاحقاً أنها لمصاحف قرآنية يعود بعضها إلى القرن الأول الهجري مما يجعلها من أقدم المصاحف المكتشفة في العالم حتى الأن. أثارت هذه المخطوطات ضجة بعد نشر صحيفة أمريكية خبراً على لسان أحد الخبراء الألمان يُدعى جيرد بوين مفاده أن هذه المخطوطات تخالف المصحف الحالي وأن السلطات اليمنية تريد إبقائها بعيداً عن أعين الباحثين حتى لا تحصل بلبلة في العالم الإسلامي! فما هي قصة هذه المخطوطات؟ وكيف تم اساءة استخدامها للطعن في أصالة النص القرآني؟ هذا ما سنتعرف عليه في ثنايا هذه المقالة. 

الحكاية من البداية: جيرد بوين .. صانع الضجيج!

جيرد بوين (Gerd Puin) عالم ألماني متخصص في دراسة المخطوطات القرآنية القديمة أرسلته الحكومة الألمانية الاتحادية في ثمانينات القرن الماضي للمساعدة في ترميم وصيانة المخطوطات اليمنية المكتشفة بسقف الجامع الكبير بصنعاء عام 1972م بطلب من القاضي إسماعيل الأكوع  رئيس هيئة الأثار والمخطوطات سابقاً.

يُعرف بوين في الأوساط العلمية بأراءه ونظرياته الراديكالية عن الإسلام والقرآن ومن آراءاه الغريبة قوله أن بعض آيات القرآن تعود إلى ما قبل الإسلام نفسه بمئات السنين وأن القرآن على الأرجح عبارة عن خليط من الآيات الغير مفهومة حتى في زمن النبي نفسه.[2]

إن نظرية بوين تزعم أن القرآن الكريم نص تطور عبر الزمن وأنه لم ينزل من السماء كما يقول المسلمون، ويقول في هذا السياق أنهم-أي المسلمين- يحبون اقتباس الأبحاث النقدية التي تثبت أن للكتاب المقدس تاريخاً من التحرير والتنقيح في حين وعلى المقابل فإنه ما من دليل يثبت أن للقرآن نفس هذا التاريخ إلا أن مخطوطات صنعاء ستكسر هذا الحاجز وتؤكد تطور نص القرآن عبر الزمن وبالتالي فإن له أيضاً تاريخاً من التحرير كما هو حال الكتاب المقدس [3].

نُشرت آراء بوين هذه بخصوص القرآن ومصاحف صنعاء في صحيفة الأتلانتك الشهرية (Atlantic Monthly) الأمريكية في عددها ليناير عام 1999م في مقالة بعنوان “ما القرآن؟” لتوبي ليستر. لم يكن اليمنيون والقاضي إسماعيل الأكوع على دراية بهذه التصريحات التي تخص المخطوطات الصنعانية إلا بعد نشر المفكر الإسلامي فهمي هويدي مقالاً بعنوان “غارة أخرى على القرآن تطعن على تنزيله وصدقيته” ومنها وصل خبر مقال الصحيفة الأمريكية إلى القاضي الأكوع، وعلى أثرها أرسل يستفسر شخصياً من بوين عن حقيقة تصريحاته هذه .. فبعث بوين وزميله بوثمر برسائل إلى القاضي الأكوع لاحتواء وتهدئة الموقف حتى لا تتدهور العلاقة بينهم وبين المسؤولين اليمنيين. ومما جاء في رسالة بوين قوله إن هذه الحملة الصحفية ليس لها أساس فيما نشرته المجلة الأمريكية وليس لها أساس فيما يخص المخطوطات الصنعانية ولا أساس لها بالنسبة إلى البحوث القرآنية التي نقوم بها أنا وزميلي الدكتور جراف فون بوتمر.[4]

وعن مصاحف صنعاء قال بوين في رسالته:

“المهم والحمد لله لا تختلف هذه المصاحف الصنعانية عن غيرها في متاحف العالم ودور كتبه إلا في تفاصيل لا تمس القرآن كنصّ مقروء وإنما الاختلافات في الكتابة فقط.[5]

إن بوين بلا شك مضلل، لقد رأينا كيف أنه صرح للصحفي توبي ليستر في اتصال تليفوني عن نظريته بخصوص القرآن ومصاحف صنعاء والأن ينفي كل هذا بجرة قلم! إن رسالة بوين للقاضي الأكوع لا تمثل سوى تضليل كاذب لا يجب الأخذ به، فنظريته عن القرآن وتطوره سبق وأن شرحناها وتصريحاته مثبتة في أكثر من مصدر. وبعبارة الأستاذ محمد مهر علي: “إن دفاع بوين لا يتفق وما تتضمنه مقالته ومقالة توبي ليستر فهما شاهدان عليه.[6]

من يريد إخفاء الكنز؟

بالإضافة إلى ادعاءات جيرد بوين عن تطور النص القرآني التي تفتقر إلى الدليل العلمي، فإن الرجل لم يتوقف عند ذلك بل أشار بأصابع الاتهام إلى السلطات اليمنية زاعماً أنهم يريدون الإبقاء على هذا الشيء خلف الأضواء كما نفعل نحن ولكن لأسباب مختلفة. هم لا يريدون لفت الانتباء إلى حقيقة أن هنالك ألمانيين وأخرين غيرهم يعملون على تلك المصاحف”.[7] حسناً.. السلطات اليمنية لا تريد لأحد أن يعلم بأمر هذه المخطوطات، أحقاً؟! كيف ذلك وقد أظهر القاضي الأكوع- رئيس الهيئة العامة للأثار سابقاً – عدة لوحات من مصاحف صنعاء في مناسبات محلية ودولية أذكر منها اختصاراً لا حصراً معرض “مصاحف صنعاء” بالتعاون من دار الأثار الإسلامية الكويتية عام 1985م والذي صدر عنه كتاب “مصاحف صنعاء” وبه مقالات لعدة علماء منهم القاضي إسماعيل الأكوع وحصة بنت الصباح وجيرد بوين نفسه وغيرهم، ويحتوي هذا الكتاب على لوحات مختلفة من مصاحف صنعاء. ومعرض أخر أقيم في مدينة ميونخ الألمانية عام 1986م بعنوان “اليمن: ثلاثة آلاف سنة من الفن والحضارة” ، عُرضت فيه بعض اللوحات من مصاحف صنعاء. وقد أظهر القاضي الأكوع لوحات من مصاحف صنعاء في مناسبات كثيرة مما يؤكد عدم صحة ادعاء بوين أن السلطات اليمنية تريد إخفاء المخطوطات.[8]

ومما يزيد في تأكيد عدم صحة ادعاء بوين من إرادة السلطات اليمنية إخفاء المخطوطات، البحث الذي قام به العالمان بيهنام صديقي (Behnam Sadeghi) من جامعة ستانفورد ومحسن جودارزي (Mohsen Goudarzi) من جامعة هارفارد والذي أثبتا فيه من خلال شهادات علماء ذهبوا إلى اليمن لرؤية وتصوير هذه المخطوطات، أن السلطات اليمنية كانت متعاونة جداً وسمحت لهم بتصوير المخطوطات بدون أدنى اعتراض. ففي عام 2007م سمحت السلطات اليمنية للعالم الإيطالي نوسيدا وعالم الأثار كرستيان روبين بأخذ صور لطرس صنعاء الممسوح  [9][10] Sana’a Palimpsest 

ويقول روبين عن زملائه أنهم “منحوا قدراً للوصول [للمخطوطات] أكبر من بعض المكتبات الأوربية”.[11]

وتصف النمساوية أورسيلا دريبهولز اليمنيين بالمتعاونيين. وتقول أيضاً أنهم “جلبوا طلاب المدارس، طلاب الجامعات، الوفود الأجنبية، الشخصيات الدينية، ورؤساء الدول مثل فرانسوا ميتران، وجيرهارد شرودير، والأمير كلاوس من هولندا لرؤية المجموعة”.[12]

الحق يُقال، أن العلماء الغربيين بالفعل تمكنوا من الحصول على أفضيلة لرؤية وتصوير المخطوطات اليمنية بعكس العلماء المسلمين، فهذا الدكتور محمد مصطفى الأعظمي ذهب إلى اليمن لتصوير مخطوطات بعينها فلم يحظى سوى بتصوير 20 صفحة من مخطوطات عشوائية وهو الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية.[13]

أعود لجيرد بوين فأقول أن هذا الرجل الذي بجوزته صور مايكروفيلمية لمخطوطات صنعاء هو من رفض اعطاء نسخاً منها للعلماء الذين طلبوا منه ذلك لدراستها[14] ومع ذلك نجده يتبجح ويتهم اليمنيين بإخفاء المخطوطات! .. يا للعجب! إني أتسائل لماذا يعطي بوين صوراً من مصاحف صنعاء لمبشر ومدافع مسيحي يدعى كيث صمول (Keith Small) لكي يستخدمها في كتابه عن النقد النصي للقرآن في حين يمنعها عن باقي العلماء؟[15] .. فرضاً أن السلطات اليمنية-وقد ثبت العكس- لا تريد بالفعل لأحد رؤية المخطوطات، فإن بوين وزميله بوثمر قد سمح لهم بتصوير هذه المصاحف وأخذ الصور معهم إلى ألمانيا، فلماذا لم تنشرها حتى الأن يا سيادة العالم المحترم؟! مجرد تساؤل بسيط.

لقد كان من المفترض أن تنشر المخطوطات اليمنية بما فيها مخطوطات القرآن المكتشفة في صنعاء عام 1972م بواسطة مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث وبالفعل تم الاتفاق على ذلك .. إلا أن الأمر برمته ألغي بسبب أن اليمنيين كانوا يبحثون عن عرضٍ أفضل من عرض المركز الإماراتي.[16]

 باختصار شديد.. لا أحد يخفي شيئاً .. وها هو الصحفي سكوت ماكميلان (Scott MacMillan) الذي أجرى تحقيقاً صحفياً في اليمن بخصوص هذه المخطوطات يؤكد ذلك إذ يقول:

“ليس لأن السلطات اليمنية تريد منع الناس من رؤية المخطوطات خوفاً مما قد تحتويه كما يشاع غالباً.. المسؤولين في دار المخطوطات يقولون أنهم يريدون توفير النصوص المرممة للعلماء على مستوى العالم، سوءاً كانوا من المسلمين أو غير المسلمين”.[17]

ملاحظات بوين على مصاحف صنعاء

نشر بوين مقالة صغيرة تتضمن ملاحظاته على مصاحف صنعاء أسماها “بعض الملاحظات على المخطوطات القرآنية المبكرة في صنعاء”[18] ضمن كتاب “القرآن نصاً” لشتيفان فيلد عام 1996م. وقد ذكر بوين أن ملاحظاته بخصوص مصاحف صنعاء لا “تزعم شيئاً جديداً أو غير متوقعاً” إلا أنه يعقب بعدها قائلاً “سوى السطر الأخير الذي يناقش الترتيب المختلف للسور”. ومما جاء في ملاحظاته على المصاحف التي درسها الآتي:

أولاً- حذف الآلف: وهي أبرز ظاهرة في المخطوطات الحجازية، ويورد بوين بعض الأمثلة لكلمات ترسم بإثبات الألف جائت في مصاحف صنعاء بحذفها كما في الشكل التالي:

 حذف الألف

ويقول بوين عن هذه الأمثلة أنها “تفترض وجود تقليد شفهي لمعرفة القراءة الصحيحة” حيث أن كلمة “أباؤكم” كما يوضح بوين تحتاج إلى التقليد الشفهي لأنه لا يمكن التفريق بينها وبين كلمة “أبوكم” في المصاحف الحجازية لأن الكلمتين ترسمان بدون ألف هكذا “أبوكم”.

 ثانياً القراءات: يقول بوين أن مصاحف صنعاء تحتوي على الكثير من القراءات التي لانجدها في كتب القراءات القرآنية مما يؤكد أن القراءات السبع أو العشر أو الأربعة عشر الموجودة اليوم هي أحدث مما هو موجود في تلك المخطوطات.

والحقيقة أن علماء المسلمين يعلمون ذلك جيداً فإن ابن الجزري قد أخبر أن القراءات الموجودة اليوم على ماكان في الزمن السابق نزر من بحر:

فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشرة بالنسبة إلى ما كان مشهورا في الأعصار الأول ، قل من كثر ونزر من بحر ، فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين”.[19]

وعلى هذا فإن مخطوطات صنعاء أتت لتؤكد هذه الحقيقة.

ثالثاً- اختلاف ترتيب السور: وهو ما أشار إليه بوين من أنه الجزء الجديد في مقالته أو “الاكتشاف” كما يسميه، حيث وجد أن نهاية سورة الشعراء (السورة 26) متبوعة ببداية سورة الصافات (السورة 37) في نفس الصفحة وهو ما يتطابق مع ما روي عن ترتيب السور في مصحف ابن مسعود وكذلك مشابه لما روي عن ترتيب السور في مصحف آبي بن كعب.

يقول بوين عن هذا “الاكتشاف” بأنه من الصعب أن يغيير رسالة القرآن لكنه يتحدى الرؤية التقليدية القائلة بأن ترتيب السور تم تحت إشراف الرسول محمد بإلهام إلهي. في حين أن المتفق عليه بين العلماء أن ترتيب الآيات توقيفي أما السور فإن جمهور العلماء على انه أنه اجتهاد من الصحابة[20] فإدعاء بوين لا وزن له علمياً. إن وجود أوراق لمصحف بترتيب سور مختلف عن ترتيب المصحف العثماني الذي أجمع عليه الصحابة لا يطعن في النص الموحى، فبماذا يضر مجيئ سورة الصافات بعد سورة  الشعراء بدلاً من سورة النمل كما في ترتيب المصحف؟ بلا شك أنه لا يضر شيئاً.  لقد روى البخاري عن يوسف بن ماهك أن أعرابياً أتى أم المؤمنين عائشة يريد رؤية مصحفها حتى يؤلف سور القرآن عليه لأنهم يقرؤونه غير مؤلف السور فقالت له أم المؤمنين: “وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟” ثم أملت عليه السور.[21] وفي هذا دليل على ما قلناه من أن اختلاف ترتيب السور لا يمس النص القرآني بشيء وإلا لما قالت السيدة عائشة للأعرابي “وما يضرك أيه قرأت قبل”. ثم أن هذا التشابه الذي وجده بوين في هذه الصفحة مع ترتيب مصحف ابن مسعود ومصحف أبي بن كعب يؤكد صحة ما ورد في المصادر الإسلامية عن ترتيب السور في مصاحف الصحابة التي اتخذوها لهم.. فتأمل!

ويشير الأستاذ محمد مهر علي إلى حقيقة أن هنالك نسخاً للقرآن الكريم تمت طباعتها بترتيب مخالف لترتيب المصحف العثماني. من ذلك على سبيل المثال ما قام به رودويل Rodwell من  ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية مرتباً سور القرآن بحسب النزول ومثله ما قام به المستشرق ريتشارد بيل Bell عام 1937.[22] إن هذا بالطبع لا يعني أن هنالك قرآنا مختلفا.

 صورة المخطوطة

لوحة مخطوطة من القرن الثاني الهجري رقم (12) دار المخطوطات

تظهر في الصفحة الآية 226 و227 من آخر سورة الشعراء ومن بداية سورة الصافات إلى الآية رقم 20 .وهي الصفحة التي أعتقد أن بوين يقصدها في ملاحظاته كونه لم يذكر الرقم العلمي للمخطوطة [23]

لم يشر بوين في مقالته “بعض الملاحظات على المخطوطات القرآنية المبكرة في صنعاء” إلى الرقم العلمي للمخطوطة التي عثر فيها على ترتيب للسور مخالف لترتيب المصحف العثماني وقد أرجع سبب ذلك إلى عدم وجود مصورات من المايكروفيلم يُمكن التعويل عليها لكنه في  موضع أخر ذكر أنه تعمد إخفاء الرقم العلمي لأنه يتوقع أن تقوم السلطات اليمنية بإتلاف هذه الأوراق على الفور!!

صورة المعرض

صور لمعرض مصاحف صنعاء في اليمن عند افتتاحه في عام 1984 ويظهر تحت السهم الأول على اليسار رئيس مجلس الوزراء اليمني عبد العزيز عبد الغني وعلى يمينه تحت السهم د/ جيرد بوين الألماني وعلى يمينه القاضي إسماعيل الأكوع ويظهر في الصورة جانب من مخطوطات القرآن في صنعاء. [24]

صور المخطوطات في شكلها

بعض الرقوق القرآنية على الهيئة التي وجدت فيها عند اكتشافها [25]

طِرس صنعاء

لقد جاء ذكر “رق صنعاء الممسوح” Sana’a Palimpsest بشكل عابر في أثناء حديثنا عن سماح السلطات اليمنية للعلماء بتصوير المخطوطات. وهذا الطرس هو عبارة عن 80 صفحة من مصحف غير مكتمل يحتوي على نصين، الأول يُعرف بالنص التحتي Lower Text والأخر بالنص الفوقي Upper text

ترجع أهمية هذا الطرس إلى تاريخه المبكر جداً حيث أثبت الفحص الكاربوني أنه كتب على الأرجح بعد أقل من 15 عاماً من وفاة رسول الله، أي في أثناء مبادرة الخليفة عثمان بن عفان لكتابة المصحف الشريف وتوزيعه على الأمصار الإسلامية. إن النص التحتي (النص الممسوح) يحتوي على قراءات تعود إلى عهد الصحابة أما النص الفوقي فإنه موافق للمصحف العثماني الذي أجمع عليه الصحابة. إن المبشرين وبعض المتعصبين من المستشرقين يستخدمون القراءات الواردة في النص التحتي لهذا الطرس للطعن في أصالة نص القرآن الكريم وادعاء تطور نصه تاريخياً. فكيف ذلك؟ وهل يدعم رق صنعاء الممسوح هذا النوع من القراءات؟

في المقالة القادمة سنناقش موضوع هذا الطرس والدراسات التي أجريت عليه وآراء العلماء حوله بشيء من الاستفاضة والتفصيل حتى تكتمل الفائدة للقراء العرب والمهتمين بالدراسات القرآنية بالأخص المخطوطات القرآنية المبكرة.


[1] مقال منشور في مجلة الدراسات الدينية، العدد الأول، ديسمبر 2014م – صفر 1436هـ، ص: 8-14

[2] Abdullah Saeed, The Qur’an: An Introduction, Routledge publishing, 2008, p.110

[3] Toby Lester, “What is the Koran?” Atlantic Monthly, January, 1999

[4] من الترجمة العربية لرسالة فون جراف بوثمر)  (Bothmer إلى القاضي اسماعيل الكوع (راجع: د.غسان حمدون، الله في إعجازه يتجلى، مركز عبادي للدراسات والنشر، 2002، ص: 107 ).

[5] من رسالة جيرد بوين إلى القاضي اسماعيل الأكوع بتاريخ 1999/02/14 )المرجع السابق، ص: 102-105).

[6] محمد مهر علي: مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1421هـ ، ص: 305

[7] “They want to keep this thing low-profile, as we do too, although for different reasons. They don’t want attention drawn to the fact that there are Germans and others working on the Korans.” (Toby Lester, “What is the Koran? Atlantic Monthly, January, 1999.)

[8] راجع: الله في إعجازه يتجلى، ص: 111-113.

[9] B. Sadeghi and M. Goudarzi, “San‘a’ 1 and the Origins of the Qur’an,” in Der Islam, Volume 87, Issue 1-2, p.12

[10] هي مخطوطة محي نصها الأصلي لتوفير مكان لكتابة جديدة. إن النص الأصلي القديم لم يمحى فعلياً حيث أنه يبدء بالظهور مع مرور الزمن ويستخدم العلماء تقنيات حديثة تمكنهم من قراءته.

[11] Ibid., p.36

[12] Ibid.,

[13] Sami Ameri, Hunting for the word f God, Thoughts of Light, 2013, p.200 footnote 193

[14] San‘a’ 1, p.34

[15] كيث صمول (Keith Small) هو مبشر ومدافع مسيحي وباحث مشارك في كلية لندن للاهوت. في عام 2011 أصدر كتاباً بالإنجليزية عنوانه “النقد النصي ومخطوطات القرآن” ذكرفيه أنه حصل على صور لثلاثة مخطوطات من صنعاء من قبل “جامع [مخطوطات] خاص” أشار إليه بـ GRP وهو اختصار لاسم  الألماني جيرد بوين = Gerd Rüdiger Puin

[16] Scott McMillan, “Sana’a: City of the Book.” History Today, April 2011, Vol. 61 Issue 4, p.11

[17] Ibid.,

[18] Gerd Puin, “Observations on Early Qur’an Manuscripts in San’a” in Stefan Wild, ed. The

Qur’an as Text, Leiden; New York: E.J. Brill, 1996, pp.107-111.

[19] ابن الجزري: النشر في القراءات العشر، المطبعة التجارية الكبرى، الجزء الأول، ص: 33

[20] قال الزركشي: “مذهب جمهور العلماء منهم مالك والقاضى أبو بكر بن الطيب فيما اعتمده واستقر عليه رأيه من أحد قوليه إلى الثانى وأنه صلى الله عليه و سلم فوض ذلك إلى أمته بعده”. (البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة، الجزء الأول، ص: 257).

[21] محمد بن اسماعيل البخاري: صحيح البخاري، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، 2002، ص: 1277، حديث رقم: 4993.

[22] مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم، ص: 307-308

[23] المصدر: غسان حمدون: الله في إعجازه يتجلى، ص: 89

[24] الله في إعجازه يتجلى، ص: 73

[25] Ursula Dreibholz, Preserving a Treasure: the Sana’a Manuscripts, p.23